المغرب نيوز

بين “مركزيّة فاس” وطموحات “عين ماضي”.. صراع المرجعيات الدينية يشتعل بين المغرب والجزائر للسيطرة على القوة الناعمة للطريقة التجانية في إفريقيا

بين “مركزيّة فاس” وطموحات “عين ماضي”.. صراع المرجعيات الدينية يشتعل بين المغرب والجزائر للسيطرة على القوة الناعمة للطريقة التجانية في إفريقيا


أثار البيان الذي أصدرته “الخلافة العامة للزاوية التجانية” في الجزائر، والذي أعربت فيه عن “رفضها واستنكارها” للزيارات التي قام بها بعض رجال الدين الأفارقة إلى إسرائيل بدعوة من سلطات تل أبيب، موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط الدينية والإعلامية الإفريقية، ليس فقط بسبب مضمونه المرتبط بالقضية الفلسطينية، ولكن أيضا بالنظر إلى السياق الجيوسياسي والديني الأوسع الذي يأتي فيه.

فالبيان الصادر عن ما يعتبره البعض “مقر الزاوية في عين ماضي بولاية الأغواط”، بإذن “الخليفة العام” للطريقة التجانية علي بلعرابي التجاني، شدد على أن الخلافة العامة للطريقة وزواياها عبر العالم “تتبرأ من هذه الزيارات، معتبرا أنها تحمل دلالات قد تُفهم على أنها تودد لإسرائيل وإقرار بواقع الاحتلال”، كما اعتبر أن الاستجابة لدعوات تصدر عن السلطات الإسرائيلية يشكل في نظره موقفا خطيرا قد يمس بحقوق الفلسطينيين ويغض الطرف عن معاناتهم.

ورغم أن مضمون البيان جاء في إطار موقف سياسي وديني تقليدي تتبناه العديد من المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي تجاه القضية الفلسطينية، فإن توقيته وسياقه الإقليمي يفتحان الباب أمام قراءة أوسع تتجاوز البعد الديني المباشر، خصوصا في ظل احتدام التنافس المغربي الجزائري على النفوذ داخل الفضاء الروحي والثقافي لغرب إفريقيا.

ويترجم صدور البيان من “الخلافة العامة للزاوية التجانية” سعي الجزائر خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز حضورها الديني والثقافي في المنطقة الإفريقية، في محاولة لبناء نفوذ مواز لذلك الذي راكمه المغرب عبر عقود طويلة من العلاقات الروحية مع الزوايا الصوفية الإفريقية.

ويكتسب هذا التنافس بعدا خاصا بالنظر إلى التاريخ المركب للطريقة التجانية نفسها، إذ ولد مؤسسها الشيخ أحمد التيجاني في عين ماضي بالجزائر، قبل أن ينتقل إلى المغرب حيث استقر بمدينة فاس، التي أصبحت لاحقا المركز الروحي الرئيسي للطريقة، وموضع ضريحه الذي يقصده آلاف المريدين سنويا من مختلف دول إفريقيا.

هذا الارتباط التاريخي بفاس منح المغرب، منذ عقود، موقعا محوريا داخل الشبكة الروحية للتجانية في إفريقيا، حيث حافظت المؤسسة الملكية على علاقات وثيقة مع شيوخ الطريقة ومريديها، مستندة إلى موقع الملك بصفته أمير المؤمنين، وإلى الروابط التاريخية التي تربط الزوايا الصوفية بالعرش المغربي.

وقد ظهر هذا التنافس بشكل واضح منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين حاولت الجزائر تنظيم أول ملتقى دولي للطريقة التجانية، غير أن المغرب تحرك آنذاك دبلوماسيا ودينيا لإقناع عدد من شيوخ الطريقة في إفريقيا بمقاطعة الملتقى، قبل أن يستضيف في سنة 1986 بمدينة فاس أول ملتقى دولي واسع للتيجانيين، شاركت فيه وفود من مختلف القارات.

وتكرر المشهد في مراحل لاحقة، إذ نظمت الجزائر سنة 2006 ملتقى دوليا آخر بمدينة الأغواط، في حين رد المغرب بعد أشهر بتنظيم ملتقى كبير بفاس سنة 2007 عرف حضورا واسعا لشيوخ وممثلي الطريقة التجانية في إفريقيا وأوروبا، في مؤشر واضح على أن الزاوية أصبحت بدورها جزءا من التنافس الدبلوماسي بين البلدين.

وخلال الأشهر الأخيرة، عاد هذا التنافس إلى الواجهة مع تحركات متزامنة للرباط والجزائر داخل عدد من الدول الإفريقية، خاصة السنغال التي تعد أحد أبرز معاقل الطريقة التجانية في العالم، ففي فبراير الماضي من السنة الجارية أوفدت الجزائر وفدا دينيا قالت إنه يمثل الخليفة العام للطريقة التجانية، وذلك في زيارة رسمية إلى دكار بتكليف من عبد المجيد تبون، حيث استقبل الوفد من قبل الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي بحضور السفير الجزائري.

وقد اعتُبرت تلك الزيارة محاولة لتعزيز الحضور الجزائري داخل الفضاء الروحي للتيجانية في السنغال، غير أن المغرب سارع بدوره إلى إرسال وفد ديني بقيادة القائد العام للطريقة التجانية، حيث جرى لقاء مماثل مع الرئيس السنغالي، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها رد مباشر على المبادرة الجزائرية.

ومن هذا المنطلق يأتي بيان الزاوية التجانية في الجزائر بشأن زيارات رجال الدين الأفارقة إلى الأراضي إسرائيل باعتباره جزءا من مشهد أوسع يتداخل فيه الديني بالسياسي، حيث تحاول الجزائر إبراز حضورها المرجعي داخل شبكة الزوايا التجانية في إفريقيا، في وقت يسعى فيه المغرب إلى الحفاظ على موقعه التاريخي داخل هذا الفضاء الروحي.

فبعد فشل اعتماد الجزائر على أدوات مثل الدبلوماسية النفطية ودعم حركات التحرر خلال العقود الماضية، يبدو أنها تحاول في المرحلة الراهنة إحياء دور الزوايا والطرق الصوفية كجسر للتواصل مع المجتمعات الإفريقية، خصوصا بعد التراجع النسبي لنفوذها في بعض الملفات الإقليمية.

في المقابل فإن المغرب، راكم منذ عقود شبكة واسعة من العلاقات الدينية والروحية في إفريقيا، عبر تكوين الأئمة، وترميم الزوايا، وإطلاق مبادرات ثقافية ودينية متعددة، وهو ما جعل حضوره داخل المجال الصوفي الإفريقي أكثر رسوخا واستمرارية.



Source link

Exit mobile version