بين وعود “مسافة السكة” وفاتورة الـ 100 مليار دعم للقاهرة.. لماذا يتصاعد عتب الخليج على موقف مصر من هجمات إيران؟

adminمنذ ساعتينآخر تحديث :
بين وعود “مسافة السكة” وفاتورة الـ 100 مليار دعم للقاهرة.. لماذا يتصاعد عتب الخليج على موقف مصر من هجمات إيران؟


تعيش منطقة الشرق الأوسط، على وقع تصعيد عسكري غير مسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى، حيث استهدفت طهران الدول الخليجية بشكل غير مسبوق بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة ضربت دول وإمارات دول الخليج في عمقها الاقتصادي والحيوي وخلفت خسائر فادحة، وضحايا ومصابين، وشلت أركان هذه الدول بشكل كبير، وهو مشهد أعاد صياغة أولويات الأمن القومي في الخليج العربي ووضع الدور المصري تحت مجهر النقد من العديد من الكتاب والمثقفين والسياسيين الخليجيين حول دور القاهرة في مثل هذه “المعارك الحاسمة”.

فبينما كانت العواصم الخليجية، وتحديدا الرياض وأبوظبي والدوحة والكويت والبحرين، تنتظر تحركا مصريا يترجم شعارات “الأمن القومي العربي المشترك” إلى واقع ملموس في مواجهة التهديدات الإيرانية للملاحة في البحر الأحمر والضربات الصاروخية التي تطال العمق الإقليمي، جاء الموقف المصري متسما بالحياد الحذر والمناورة الدبلوماسية، وهو ما فجّر موجة من التدوينات الغاضبة لمثقفين وإعلاميين خليجيين رأوا في هذا الصمت “خذلاناً” لا يستقيم مع حجم التحديات الوجودية.

في هذا السياق، ضجت منصات التواصل الاجتماعي بتغريدات لمؤثرين وكتاب إعلاميين، حيث أشار البعض بوضوح إلى أن منظومة “الدفاع العربي المشترك” باتت مجرد حبر على ورق حينما يتعلق الأمر بالفعل المصري.

وقد برزت تعليقات لمثقفين كويتيين وسعوديين تتساءل عن جدوى التحالفات الاستراتيجية إذا كانت القاهرة تكتفي بدور “المتفرج” بينما تتعرض المنشآت الحيوية في الخليج للتهديد، أو بينما تخوض إسرائيل وأمريكا صراعا يمس مباشرة استقرار المنطقة.

هذا العتب الخليجي لم يأتِ من فراغ، بل من قناعة بأن مصر، التي طالما قدمت نفسها كـ “قلب العروبة النابض” وحامية حماها، تراجعت إلى دور المراقب المنشغل بحدوده المباشرة فقط، تاركة حلفاءها في مواجهة مباشرة مع التمدد الإيراني.

ويُعد ملف العلاقات المصرية الخليجية، وتحديدا في شقها الأمني والعسكري، من أكثر الملفات تعقيدا وجدلا في أروقة السياسة العربية المعاصرة. فمنذ أحداث الربيع العربي، تشكلت وحدة حال جيوسياسية بين القاهرة وعواصم الخليج، بُنيت على ركيزتين أساسيتين: دعم اقتصادي خليجي غير مسبوق لتثبيت أركان الدولة المصرية، ومظلة أمنية مصرية يُفترض أن تشكل عمقاً استراتيجياً لدول مجلس التعاون.

إلا أن المحطات الفاصلة، بدءا من حرب اليمن وصولا إلى التجاذبات الإقليمية الحالية، كشفت عن فجوة بين “الوعود السياسية” و”الأداء الميداني”، مما أثار موجة من العتب والتحليل النقدي من قبل مثقفين وإعلاميين خليجيين ومصريين على حد سواء.

وبدأ الشرخ في جدار الثقة بين القاهرة ودول الخليج يظهر بوضوح مع اندلاع “عاصفة الحزم” في اليمن عام 2015 ضد جماعة الحوثي الموالية لإيران، التي كشفت عن هوية أخرى للسياسة المصرية. حينها، كانت الذاكرة الجمعية الخليجية تستحضر تصريح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الشهير “مسافة السكة”، وهو التعبير الذي فُهم خليجيا كصك على بياض بالتدخل العسكري المباشر لحماية الأمن القومي العربي.

ومع ذلك، اقتصرت المشاركة المصرية على الجوانب البحرية والجوية الرمزية، متجنبة التورط البري، وهو ما اعتبره الكاتب والإعلامي الكويتي الدكتور أحمد الجار الله نوعا من التردد الذي لا يتسق مع حجم الدعم المقدم. وقد غرد الجار الله في محطات عدة مشيرا إلى أن الخليج لم يبخل على مصر في أحلك ظروفها، وأن “الوفاء بالعهود العسكرية هو محك التحالفات الحقيقية”.

وما يضاعف من حدة هذا الشعور بالعتب هو المقارنة الحتمية بين “الأداء العسكري” و”العطاء المالي” للمساعدات التي تدفقت على القاهرة. فمنذ أحداث الربيع العربي، ضخت دول الخليج مبالغ هائلة لانتشال الاقتصاد المصري من عثرته وتثبيت أركان الدولة بعد عام 2013، في عملية دعم وُصفت بأنها “مارشال عربي” غير مسبوق.

ووفقا لتقارير اقتصادية وبيانات رسمية، تجاوزت المساعدات الخليجية (السعودية، الإمارات، والكويت) لمصر منذ عام 2013 حاجز الـ 100 مليار دولار، توزعت بين منح لا ترد، وودائع في البنك المركزي، واستثمارات مباشرة، وشحنات بترولية مدعومة، وهي مساعدات وهبات كانت تهدف بالأساس إلى بناء شراكة “أمن مقابل استقرار”.

هذا الكرم الاقتصادي خلق سقف توقعات عاليا لدى النخب الخليجية، حيث يرى الأكاديمي الإماراتي الدكتور عبد الخالق عبد الله في بعض أطروحاته أن الشراكة يجب أن تكون “عضوية وتكافلية”، مؤكداً في تدوينات سابقة أن زمن “الشيكات المفتوحة” قد ولى، وأن العلاقة يجب أن تقوم على المصالح المتبادلة والالتزامات الصارمة، خاصة حين يتعلق الأمر بالتهديدات الوجودية التي تواجهها المنطقة، وأن هذا الدعم السخي كان يجب أن يقابله التزام أمني استراتيجي واضح، وليس سياسة “النأي بالنفس” التي تنتهجها القاهرة كلما حمي وطيس المواجهة مع إيران أو أذرعها.

في الداخل المصري، لم يغب هذا الجدل عن الأوساط المثقفة والإعلامية، حيث انقسمت الآراء بين مدافع عن “عقيدة الجيش المصري” التي ترفض القتال خارج الحدود إلا في حالات الضرورة القصوى، وبين أصوات نقدية رأت في الموقف الرسمي نوعا من الخذلان للحليف التاريخي.

الكاتب المصري الراحل محمد حسنين هيكل كان قد حذر مبكرا من الغرق في الرمال اليمنية، وهو ما اتخذه البعض ذريعة للموقف الرسمي، لكن إعلاميين مثل إبراهيم عيسى وغيره طرحوا تساؤلات حول كيفية صياغة “عقد اجتماعي-سياسي” جديد بين مصر والخليج يتجاوز لغة المساعدات إلى لغة التكاتف الاستراتيجي الحقيقي.

هذا التباين في الرؤى عكس أزمة صامتة في تعريف “الأمن القومي”، فبينما يراه الخليج في كبح الجماح الحوثي والإيراني، تراه القاهرة في تأمين حدودها المباشرة ومكافحة الإرهاب الداخلي.

الإعلامي المصري الشهير عمرو أديب لم يخرج عن سياق نقد موقف بلاده من استهداف إيران لدول الخليج، حيث أكدت في تغريدة له عل صفحته الرسمية على منصة X “أن هناك انطباع واضح فى الخليج أن مصر لم تقدم الدعم المطلوب”.

وتأتي هذه التغريدة كاعتراف ضمني وصريح من داخل المعسكر الإعلامي المصري المقرب من دوائر صنع القرار في الخليج، لتؤكد أن الشعور بـ “الخذلان” لم يعد حبيس الغرف المغلقة، بل انتقل إلى العلن، واعتبرها المحللون بمثابة “جرس إنذار” للقاهرة بأن لغة العواطف التاريخية لم تعد تكفي لإقناع الحليف الخليجي الذي قدم مليارات الدولارات كاستثمار في “أمن مشترك” يراه الآن غائبا عن أرض الواقع.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق