أول بطولة لـ”الفراعنة”.. منتخب مصر يفوز بمباراتين ويتوج بطلا!
ارتبط تاريخ المنتخب المصري ببطولة كأس الأمم الأفريقية منذ لحظة مخاضها الأولى في عام 1957، حين كانت القارة تكافح لنيل استقلالها السياسي والرياضي. شاركت مصر في النسخة الافتتاحية كدولة مؤسسة للاتحاد الأفريقي لكرة القدم، إلى جانب السودان وإثيوبيا، بينما استُبعدت جنوب أفريقيا بسبب نظام “الأبارتايد”.
في تلك الحقبة، لم يكن نظام البطولة معقدا نظرا لمشاركة ثلاثة منتخبات فقط، حيث خاضت مصر مباراة نصف النهائي أمام السودان (صاحب الأرض) وفازت بهدفين لهدف، ثم اكتسحت إثيوبيا في النهائي برباعية نظيفة سجلها الأسطورة محمد دياب العطار “الديبة” وحده، ليُدون اسم مصر كأول بطل للقارة السمراء في تاريخ لم يخلُ منذ بدايته من صراعات النفوذ الإداري.
نسخة 1959.. تتويج مصري واحتجاج سوداني
في نسخة 1959، احتفظ المنتخب المصري بلقبه القاري الثاني على أرضه وبين جماهيره في القاهرة، تحت مسمى “الجمهورية العربية المتحدة”. شاركت في هذه البطولة ثلاثة منتخبات فقط هي (مصر، السودان، إثيوبيا)، وأقيمت بنظام المجموعة الواحدة (الدوري) لتحديد البطل، حيث خاض “الفراعنة” مباراتين حاسمتين.
استهلت مصر المشوار باكتساح إثيوبيا بنتيجة 4-0، في مباراة شهدت تألقا استثنائيا للأسطورة محمود الجوهري الذي سجل “هاتريك” تاريخي. وفي المباراة الختامية التي اعتبرت بمثابة النهائي ضد السودان، انتزعت مصر فوزا صعبا بنتيجة 2-1 بهدفي عصام بهيج، ليتوج المنتخب بالتاج الأفريقي برصيد 4 نقاط (نقطتان لكل فوز آنذاك).
ورافقت هذه البطولة اتهامات مبكرة بـ”نفوذ الأرض”، حيث احتج الجانب السوداني على قرارات الحكم اليوغوسلافي “زيفكو بايتش”، معتبرين أن صافرته انحازت لأصحاب الأرض تحت ضغط الغليان الجماهيري في ملعب النادي الأهلي.
وتواترت تصريحات لمدربين وإداريين سابقين، في قراءات متأخرة للتاريخ، ألمحت إلى أن استضافة القاهرة للبطولات وتواجد مقر “الكاف” بها منحا مصر “حماية تحكيمية” غير معلنة، جعلت الحكام يخشون اتخاذ قرارات مصيرية ضد الفراعنة، وهو ما وضع حجر الأساس لجدل “الفساد الإداري” الذي صاحب ألقاب مصر اللاحقة.
رحلة الألقاب السبعة المثيرة للجدل التاريخي
توالت الإنجازات المصرية لتصل إلى سبعة ألقاب (1957، 1959، 1986، 1998، 2006، 2008، 2010)، رافقها الكثير من الجدل التحكمي.
فقد شهدت تتويجات المنتخب المصري بكأس الأمم الأفريقية، لا سيما في 1986 و2006 و2010، جدلا تحكيميا واسعا ارتبط بقرارات حكام مثل إدريسا تراوري، إيفيهي ديفين، مراد الدعمي، وكوفي كوجيا. وعززت تصريحات نجوم سابقين، منهم أحمد حسام “ميدو” وياسر رضوان، فرضية وجود منظومة إدارية وتحكيمية دعمت التفوق الفني المصري في تلك الحقبة.
وفي نسخة 1986 التي استضافتها القاهرة، واجه المنتخب المصري ضغوطا جماهيرية وسياسية هائلة، واستطاع اقتناص اللقب ضد الكاميرون بركلات الترجيح بعد مشوار شاق.
المباراة التي قادها الحكم المالي إدريسا تراوري، وشهدت احتجاجات كبيرة دفعت الجانب الكاميروني الحكم اتهام الحكم بالانحياز الصارخ لمصر، خاصة في توزيع البطاقات الصفراء وعدم احتساب أخطاء ضد المدافعين المصريين. وقد أقر بعض لاعبي ذلك الجيل بأن ضغط “هتافات الجماهير” في استاد القاهرة كان كفيلا بجعل أي حكم يرتجف ويهدي مصر اللقب.
الكواليس المظلمة واتهامات الفساد التحكيمي
خلف بريق الكؤوس، تلوح دائما اتهامات بوجود “مجازر تحكيمية” ساهمت في تمهيد الطريق للفراعنة، خاصة في النسخ التي أقيمت على أرض مصر.
ويرى نقاد ومتابعون للشأن الأفريقي أن نفوذ الشخصيات المصرية داخل لجان الحكام في “الكاف” كان يلعب دورا حاسما في اختيار حكام “مرنين” يتأثرون بضغط المدرجات.
وتعد نسخة 2006 هي النموذج الأبرز لهذا الجدل، حيث شهدت مباريات مصر ضد السنغال في نصف النهائي وكوت ديفوار في النهائي قرارات تحكيمية وُصفت بالانتقائية، من التغاضي عن ركلات جزاء واضحة للمنافسين إلى احتساب ركلات جزاء مشكوك في صحتها لأصحاب الأرض.
وسبق للاعب السابق للمنتخب المنصري، أحمد حسام “ميدو” في لقاءات تليفزيونية لاحقة بأن أكد أن “الأجواء في أفريقيا لا تُدار بالكرة فقط”، مشيرا إلى أن الحكام كانوا يخشون اتخاذ قرارات ضد مصر وسط 100 ألف مشجع.
ففي نصف نهائي بطولة 2006 ضد المنتخب السنغالي، تغاضى الحكم الكاميروني إيفيهي ديفين عن ضربة جزاء واضحة للسنغال في الدقائق الأخيرة، وصرح لاعبو السنغال حينها بأن “الحكم كان يرتدي قميص مصر تحت بذلته”، وهو ما علق عليه بعض الإداريين المصريين بأن “تأمين الحكام نفسيا” كان جزءا من استراتيجية الاستضافة.
وفي نفس البطولة، احتسب الحكم التونسي مراد الدعمي ركلة جزاء لمحمد بركات في النهائي ضد كوت ديفوار، وصفتها الصحافة العالمية بـ “الخيال الذي منح مصر اللقب”، وقد اعترف بعض لاعبي المنتخب لاحقا بأن سقوط بركات كان ذكيا لاستغلال ضغط الجمهور على الحكم.
شهادات اللاعبين واعترافات الغرف المغلقة
صرح بعض النجوم السابقين، ومن بينهم أحمد حسام “ميدو”، في لقاءات إعلامية بأن الأجواء في البطولات الأفريقية كانت تُدار أحيانا بـ”التربيطات” الإدارية، وأن الحكم الأفريقي كان يخشى إقصاء المنتخب المصري لما يمثله من ثقل تسويقي وجماهيري للبطولة.
كما أشار مدربون سابقون إلى أن “إرهاب الحكام” كان تكتيكاً غير معلن، حيث يتم الضغط على الحكام منذ لحظة وصولهم للمطار وحتى نزولهم للملعب.
هذه التصريحات، رغم محاولات تجميلها لاحقاً، كشفت عن قناعة راسخة لدى الكثيرين بأن البطولات السبع لم تكن صراعا فوق العشب الأخضر فحسب، بل كانت صراع نفوذ في أروقة الفنادق واجتماعات اللجان الفنية التي كانت تُطبخ فيها نتائج بعض المباريات قبل صافرة البداية.
فاروق جعفر (لاعب الزمالك والمنتخب المرصي، ومدرب سابق)
في مقابلة تلفزيونية على قناة الزمالك عام 2020، كشف جعفر عن ممارسات شائعة في البطولات الأفريقية، خاصة للأندية في السبعينيات والثمانينيات.
وقال نجم المنتخب المصري السابق: “زمان كان الحكام الأفارقة يجلسون مع قائد الفريق والإدارة معنا وفي أندية أخرى، للاتفاق إن كنت ترغب في ركلة جزاء أو طرد لاعب من الفريق المنافس.”.
وأكد أن هذا حدث مع “كل الأندية المصرية” (مثل الأهلي والزمالك)، وأنه رفض بعض العروض أحيانا. نجم فريق الزمالك الاسبق، لم يتحدث عن “رشاوى مالية” مباشرة، بل عن “مجاملة” ودعم تحكيمي.
التصريح أثار جدلاً كبيرا، واستُخدم للربط بنجاحات المنتخب في كأس أمم أفريقيا (خاصة 1986 وما بعدها)، مع الإشارة إلى نفوذ مصر داخل الكاف. جعفر أوضح لاحقا أنه لم يقصد اتهاما بالفساد المنظم، لكن المنافسين يرونه “شهادة” على أن بعض الألقاب لم تكن بالجدارة الفنية فقط.
محمد بركات (نجم الأهلي والمنتخب، بطل 2006).
في برنامج “أقر وأعترف” مع أحمد شوبير، اعترف اللاعب السابق للمنتخب المصري محمد بركات بضربة جزاء مثيرة للجدل في نهائي كأس أمم أفريقيا 2006 أمام كوت ديفوار.
وقال بركات: “الاحتكاك كان خفيف جدا بصراحة، بس أنا وقعت وماصدقت، ولما حصلت ضربة الجزاء قلت يا سلام ده أنا جبتها وهي مش صحيحة.”
وقال إنه “فوجئ” باحتسابها. هذه الضربة (التي أضاعها أحمد حسن) كانت في مباراة انتهت بالتعادل 0-0 ثم فوز مصر بركلات الترجيح، وتُعتبر من أبرز الحالات المشكوك فيها التي “ساهمت” في اللقب الخامس.
أحمد حسام “ميدو” (لاعب المنتخب السابق).
في بودكاست وتصريحات حديثة، جرى شهر يناير 2026، اتهم اللاعب الدولي البسابق للمنتخب المصري، أحمد ميدو الجهاز الفني والإداري في عصر حسن شحاتة (2006-2010، ثلاثة ألقاب متتالية) باستخدام “الشعودة” والطقوس للفوز بالألقاب، وذلك، باستخدام “مشايخ” و”سحرة”، وشراء “زئبق أحمر” (بملايين الجنيهات) لرشه على الملابس والأحذية، وتأثير الطقوس على اختيار التشكيلة (مثل استبعاده في 2010).
ووصف اللاعب بأن ذلك “الفساد والشعودة” ساعد في التتويج، وقال إن “الكاف مزحة” وفيه فساد عام.
تصريحات ميدو أثارت غضبا مصريا كبيرا، وتم منعه من الظهور إعلاميا بعد “التشكيك في الإنجازات المصرية” التي ربطها مباشرة بألقاب 2006، 2008، 2010.
