تجريم “على المقاس”.. الجزائر تُجرّم الاستعمار الفرنسي و”تُبرّئ” إرثه في بتر أراض مغربية وتونسية

admin3 يناير 2026آخر تحديث :
تجريم “على المقاس”.. الجزائر تُجرّم الاستعمار الفرنسي و”تُبرّئ” إرثه في بتر أراض مغربية وتونسية


فتحت خطوة مصادقة البرلمان الجزائري، بتاريخ 24 دجنبر 2025، على قانون يجرّم الاستعمار الفرنسي، بهدف إدانة “جرائم الحقبة الاستعمارية” ومطالبة باريس باعتذارات وتعويضات، (فتحت) نقاشا إعلاميا واسعا حول ما اعتبره مهتمون بالتاريخ الاستعماري لشمال إفريقيا “تجريما انتقائيا” و”على المقاس”.

وركز القانون الجزائري، حصريا على الجرائم المرتكبة من طرف فرنسا داخل ما يُعرف اليوم بالحدود الحالية للجزائر، دون التطرق إلى أحد أبرز أوجه الاستعمار الفرنسي في المنطقة، والمتعلق بإعادة رسم الحدود وبتر أراض تاريخية لدول مجاورة، وعلى رأسها المغرب وتونس، وضمها إلى الحدود الجزائرية التي صنعتها فرنسا.

ويرى مهتمون بتاريخ شمال إفريقيا أن هذا التجاهل لا يمكن فصله عن حساسية ملف الحدود بالنسبة للسلطة الجزائرية، التي تتمسك منذ الاستقلال بما تصفه بـ”الحدود الموروثة عن الاستعمار، رغم أن هذه الحدود لم تكن، وفق العديد من المراجع التاريخية، نتاج تعاقدات اجتماعية أو سياسية “جزائرية” سابقة، بل نتيجة قرارات إدارية واستراتيجية من طرف الاستعمار الفرنسي.

ويؤكد هؤلاء أن فرنسا، خلال الفترة الاستعمارية، لم تكتفِ بالسيطرة العسكرية، بل أعادت هندسة المجال الجغرافي للمنطقة بما يخدم مصالحها، حيث اقتطعت أقاليم مغربية واسعة في الجنوب الشرقي وضمّتها إلى الجزائر الفرنسية، في ما يُعرف اليوم إعلاميا بـ”الصحراء الشرقية”، دون أي اعتبار للامتدادات التاريخية والسياسية للمغرب.

وينطبق الأمر نفسه، حسب عدد من المؤرخين، على تونس، التي فقدت بدورها أراضي تاريخية تم اقتطاعها من طرف الاستعمار الفرنسي وإدراجها ضمن الحدود الجزائرية الحالية، في سياق توسيع المجال الترابي للجزائر الاستعمارية، ما يجعل هذه الحدود نتاج قرار استعماري أحادي، لا نتيجة مسار تاريخي محلي.

هذا المعطى، وفق متابعين، يضع القانون الجزائري في تناقض واضح، فمن جهة يُجرّم الاستعمار الفرنسي ويصف جرائمه بأنها غير قابلة للتقادم، ومن جهة أخرى “يُبرّئ” أحد أخطر تجلياته، والمتمثل في بتر أراض لدول مجاورة، بل ويحوّل هذا الإرث الاستعماري إلى “خط أحمر” غير قابل للنقاش.

وتبرز هذه التناقضات، بشكل واضح في تشبث الجزائر الصارم بالحدود الموروثة عن الاستعمار، إدراكا منها بأن الجزائر، قبل الاحتلال الفرنسي، لم تكن تتوفر على هذه الرقعة الترابية الشاسعة، وأن توسعها الحالي هو في جزء كبير منه نتيجة مباشرة للسياسات الاستعمارية الفرنسية.

وفي هذا السياق، أعاد عدد من المؤرخين الفرنسيين في السنوات الأخيرة فتح هذا الملف، مؤكدين أن مناطق تُحسب اليوم على الجزائر كانت في الأصل أراض مغربية، قبل أن تقوم فرنسا بضمها إداريا إلى الجزائر خلال فترة الاحتلال.

ومن بين هؤلاء المؤرخين، برز اسم بيرنارد لوغان، الذي أصدر في أبريل 2024 مؤلفا بعنوان “الصحراء الغربية في 10 أسئلة“، أشار فيه بوضوح إلى قيام فرنسا باقتطاع أراض مغربية وضمها إلى الجزائر، في إطار إعادة رسمها للخريطة السياسية لشمال إفريقيا وفق منطق استعماري صرف.

كما أعاد هذا النقاش إلى الواجهة قضية الكاتب الجزائري بوعلام صنصال، الذي اعتُقل في الشهور الماضية وحُكم عليه بالسجن، قبل أن يُفرج عنه في الأسابيع الأخيرة بوساطة من الرئيس الألماني، حيث كان من بين أسباب متابعته تصريح أدلى به لصحيفة فرنسية، أكد فيه أن فرنسا اقتطعت أراضي مغربية وضمّتها إلى الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية.

وبالعودة إلى نص القانون، فإنه، وفق ما نقلته صحيفة “لوموند” الفرنسية، يُحمّل الدولة الفرنسية مسؤولية ما تصفه الجزائر بـ”جرائم الاستعمار” بين 1830 و1962، ويعتبرها جرائم غير قابلة للتقادم، تشمل المجازر الجماعية، وسياسات القمع، ونهب الثروات، والتجارب النووية في الصحراء الجزائرية.

كما يطالب التشريع باسترجاع الأرشيف الوطني والممتلكات الثقافية ورفات المقاومين، وإلزام باريس بتطهير مواقع التجارب النووية والكشف عن خرائط النفايات السامة، إلى جانب تجريم أي تمجيد أو تبرير للاستعمار الفرنسي، مع عقوبات سجنية ومالية.

غير أن منتقدي القانون يرون أن قوته الرمزية والسياسية لا تُخفي طابعه الانتقائي، إذ يتجنب عمدا فتح ملف الحدود التي رسمها الاستعمار، رغم كونها جزءا لا يتجزأ من “جرائم” تلك المرحلة، ما يحوّل القانون، في نظرهم، إلى أداة سياسية أكثر منه مراجعة تاريخية شاملة.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق