استقبل الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، أمس الثلاثاء في نواكشوط، وفدًا من جبهة البوليساريو، والذي التقى اللواء سيدو سامبا ديا، الأمين العام للأمن الخارجي والتوثيق والمسؤول عن مكافحة التجسس، وفقًا لما أوردته وكالة الأنباء الموريتانية.
عبد العالي سرحان، الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، اعتبر أن موريتانيا في المرحلة الراهنة تجد نفسها أمام واقع إقليمي يتغيّر بسرعة، ومركز الثقل في هذا التحول يميل لصالح المقاربة المغربية، مشيرا إلى أن استقبال وفد البوليساريو في نواكشوط بتركيبته الأمنية والعسكرية يعكس أن موريتانيا تتعامل مع ملف حدودي ضاغط لا يمكن تجاهله، لكنه أيضًا يكشف أن هذا الحوار لم يعد يحمل الوزن السياسي السابق، خصوصًا في ظل صعود المبادرة المغربية كمرجعية دولية.
وسجل الباحث في نفس الوقت أن التحرك الأمريكي لدعوة موريتانيا لتجاوز الحياد السلبي لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة إدراك واشنطن بأن الاستقرار الإقليمي يمر اليوم عبر حل واقعي، والمبادرة المغربية باتت تمثل هذا الحل، لافتا إلى أن هذا يضع الرباط في موقع قوة، ويمنح نواكشط فرصة للتموضع إلى جانب خيار يحظى بدعم القوى الكبرى، دون أن تخسر توازناتها الداخلية أو علاقاتها التقليدية.
وأكد عبد العالي سرحان أن قرار مجلس الأمن في أكتوبر 2025، الذي دعم المبادرة المغربية بشكل واضح، شكّل نقطة تحول دولية لا يمكن لأي دولة في الجوار تجاهلها، موضحا أن موريتانيا، التي لطالما اعتمدت مسافة محسوبة، تدرك اليوم أن الكفة الدبلوماسية تميل بوضوح لصالح الرباط، وأن الحياد القديم لم يعد يمنحها قيمة استراتيجية كما كان سابقًا، وأن هذا التحول يفتح أمامها إمكانية بناء شراكة أعمق مع المغرب في ملفات الأمن والتنمية.
وقال الباحث في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، إن اجتماع الرئيس الغزواني مع وفد البوليساريو بحضور كبار المسؤولين الأمنيين، رغم رمزيته، يعكس طبيعة العلاقة الحالية: لقاءات تقنية لمعالجة قضايا حدودية، وليس اصطفافًا سياسيًا، مضيفا “الملفات الأمنية المرتبطة بالتهريب والتحركات غير المنضبطة تفرض الحوار، لكنها لا تغيّر اتجاه الريح الدبلوماسية، التي تتجه نحو الحل المغربي كإطار واقعي ومستقر”.
ولفت عبد العالي سرحان إلى أن التحدي بالنسبة لموريتانيا هو كيفية الانتقال من حياد سلبي إلى حياد نشط ينسجم مع التحولات الدولية دون إثارة حساسيات مع الجزائر، مع الحفاظ على مصالحها الوطنية، مشيرا إلى أن المغرب، بخبرته الدبلوماسية وبحكم قوة موقعه الدولي اليوم، قادر على تقديم ضمانات أمنية واقتصادية لنواكشوط، ما يجعل التقارب خيارًا عمليًا يعود بالنفع على الطرفين، خصوصًا في ظل هشاشة منطقة الساحل.
وختم الباحث بالقول إن في النهاية، تبدو موريتانيا أمام فرصة تاريخية؛ الانتقال من دور المراقب المتردد إلى شريك إقليمي في مسار تدعمه القوى الكبرى وتستفيد منه المنطقة بأسرها، مردفا “ومع ميل المواقف الدولية نحو مقاربة الرباط، يصبح اتخاذ موقف أوضح ليس مجازفة، بل استثمارًا في مستقبل أكثر استقرارًا لموريتانيا نفسها”.
