أعلن الملك محمد السادس خلال اجتماع عمل عقد الأربعاء بالقصر الملكي بالدار البيضاء، بحضور عدد من الوزراء والمسؤولين، قرب انطلاق تشغيل ميناء الناظور غرب المتوسط نهاية السنة الجارية، كما تناول الاجتماع وفق بلاغ رسمي صادر عن الديوان الملكي، متابعة تقدم أشغال الميناء والمنطقة الصناعية المرتبطة به، الأمر الذي أعاد أحيا المخاوف الاقتصادية الاسبانية، خصوصا على الموانئ الجنوبية للجارة الشمالية، في ظل التوقعات بأن يشكل الميناء الجديد منافسا قويا ويؤثر على حركة البضائع العابرة للمنطقة، وفق ما أوردته تقارير إعلامية إسبانية متخصصة.
وأوضح بلاغ الديوان الملكي أن الميناء سيضم مجمعا مينائيا حديثا مدعوما بمنصة صناعية ولوجستية وطاقية متكاملة، باستثمارات عامة وخاصة تصل إلى نحو 51 مليار درهم (حوالي 4.7 مليار أورو)، كما تشمل البنية التحتية الأساسية 5.4 كيلومترات من الحواجز البحرية، و4 كيلومترات من الأرصفة، بالإضافة إلى أربع محطات كهرباء، حيث من المتوقع أن تدخل عقود امتياز محطتي الحاويات حيز التنفيذ بشكل تدريجي خلال هذه السنة.
ويحتوي المشروع على أول محطة للغاز الطبيعي المسال بالمغرب بطاقة سنوية تصل إلى 5 مليارات متر مكعب، إضافة إلى محطة مخصصة للمحروقات، وهو ما اعتبره الديوان الملكي مكونا استراتيجيا يعزز السيادة الطاقية للمملكة، إذ سيصل الميناء عند تشغيله إلى قدرة سنوية تبلغ 5 ملايين حاوية و35 مليون طن من البضائع السائلة والصلبة، مع إمكانية توسعة الطاقة الاستيعابية مستقبلا إلى 12 مليون حاوية و15 مليون طن من الشحنات السائلة.
وربطت تقارير إعلامية إسبانية هذه الخطوة المغربية مباشرة بتداعيات اقتصادية محتملة على مدينة مليلية، القريبة من ميناء الناظور، وعلى موانئ إسبانيا في الجنوب، خصوصا ميناء الجزيرة الخضراء (Algeciras)، مشيرة إلى أن تشغيل ميناء الناظور غرب المتوسط يمثل تعزيزا للقدرة التنافسية للمغرب في مجال النقل البحري واللوجيستيات، بما قد يقلص الاعتماد على الموانئ الإسبانية المجاورة ويؤثر على حصتها في حركة البضائع العابرة للمنطقة.
ويعكس هذا المشروع وفق التقارير ذاتها طموح المغرب في توسيع شبكته المينائية الوطنية، وربطها بشكل متكامل بالاقتصاد العالمي، وتعزيز قدرته على خلق فرص شغل ودعم تنمية إقليمية متوازنة، في سياق تسعى فيه الرباط إلى التموقع كمركز لوجستي رئيسي في حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا.
وسيشكل ميناء الناظور غرب المتوسط عند افتتاحه، ثاني قطب بحري استراتيجي إلى جانب ميناء طنجة المتوسط، حيث يجعل موقعه القريب من القسم الغربي للحوض المتوسطي المغرب في وضعية تحكم لوجستي متقدم، بما يعزّز من حضوره في خطوط الملاحة العالمية.
كما يمنح البلاد ثنائية مينائية تنافسية ترتكز على نجاح ميناء طنجة المتوسط، الذي ارتقى إلى المركز الثالث عالميا في مؤشر الأداء العالمي لموانئ الحاويات لعام 2024، الصادر عن S&P Global Market Intelligence والبنك الدولي، متقدما على كل الموانئ الإفريقية والأوروبية.
الميناء الجديد وحتى قبل بلاغ الديوان الملكي، بدأ تأثيره الإقليمي يتجلى بوضوح، خصوصا لدى الجيران في الضفة الشمالية، فمجاورته لميناء مليلية، الخاضع للسيادة الإسبانية، جعلت منه مصدر توتر مستمر للسلطات المحلية هناك، التي طلبت من الحكومة المركزية بمدريد إعفاء مينائها من الرسوم البيئية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على انبعاثات السفن، في محاولة لتخفيف أثر المنافسة المرتقبة مع الميناء المغربي الصاعد.
وتزايد هذا القلق الإسباني بشكل لافت منذ مارس 2024، بعدما تسربت أنباء عن وجود محادثات بين المغرب وCOSCO، رابع أكبر شركة شحن حاويات في العالم والمملوكة للدولة الصينية، لتولي إدارة محطة الميناء الجديد، وهي خطوة قد تُحدث تكاملا قويا بينه وبين ميناء طنجة المتوسط، بما يمنح المغرب زخما إضافيا للهيمنة على التجارة البحرية في غرب المتوسط.
ولم يقف أثر الميناء عند حدود الضفة الشمالية، فقد امتد قلقه كذلك إلى الجزائر، فالمسافة الفاصلة بينه وبين الحدود الجزائرية لا تتجاوز سبعين كيلومترا عبر بلدية مرسى بن مهيدي الساحلية في ولاية تلمسان، كما لا يبعد سوى 270 كيلومترا عن ميناء وهران.
بل إن تأثيره المحتمل يُنظر إليه كتهديد استراتيجي مباشر لميناء الجزائر العاصمة، الذي يُعتبر الأفضل وطنيا رغم تراجعه في التصنيفات الدولية، حيث حل في المركز 346 عالمياً في مؤشر CPPI لسنة 2023، خلف ثلاثة موانئ مغربية هي طنجة المتوسط والدار البيضاء وأكادير.
ويبدو أن ميناء الناظور غرب المتوسط يخطو نحو لعب دور مركزي في إعادة تشكيل التوازنات البحرية والتجارية بالمنطقة، مستفيدا من قربه من أوروبا، ومن اندماجه ضمن رؤية وطنية تهدف إلى جعل المغرب لاعبا محوريا في سلاسل التوريد المرتبطة بالصناعة الخضراء، ومن قدرته على استقطاب شركات كبرى في الطاقة المتجددة والشحن البحري.
