لجأت الجزائر إلى التعامل بصمت تام مع موضوع مشاركتها في المفاوضات التي تحتضنها السفارة الأمريكية بالعاصمة الإسبانية مدريد، سواء كان ذلك على المستوى الرسمي أو الإعلامي، على الرغم من بروز مؤشرات ملموسة تؤكد حضورها على طاولة التفاوض باعتبارها طرفا في قضية الصحراء، أبرزها لقاء وزير خارجيتها أحمد عطاف بنظيره الإسباني خوسي ماريا ألباريس، قبل 24 ساعة من انطلاق الجولة التي ترعاها واشنطن.
وصول عطاف إلى مدريد كان بعد أيام فقط من لقائه في الجزائر العاصمة مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي لشؤون إفريقيا والعالم العربي، إذ حينها لم يرشح الكثير عن تلك الرحلة التي قادت هذا الأخير للقاء الرئيس عبد المجيد تبون أيضا، لكن ما اتضح بعدها أن تلك كانت إحدى الخطوات الأخيرة قبل جلوس الجزائر إلى طاولة التفاوض مع المغرب بناء على مقترح الحكم الذاتي في صيغته المحينة، انسجاما مع قرار مجلس الأمن رقم 2797.
وفضلت وزارة الخارجية الجزائرية عدم الحديث عن “مهمة” عطاف في مقر السفارة الأمريكية في مدريد، وهو ما سارت على نهجه وسائل الإعلام المحلية، إلا أن ما أكد حضوره في المفاوضات كان هو لقاؤه مع وزير الخارجية الإسباني أول أمس السبت، هذا الأخير الذي التقى أيضا بمحمد سالم ولد مرزوك، وزير الخارجية الموريتاني، والطرف الآخر في المفاوضات، التي كان الضلع الرابع فيها هو وفد جبهة “البوليساريو” الذي يقوده محمد يسلم بيسط.
المفاوضات، إذن، وإن كانت سرية، فإن المؤشرات التي رشحت عنها تفيد بأنها تسير وفق منطوق النص الرسمي لقرار مجلس الأمن الصادر بتاريخ 31 أكتوبر 2025 وخصوصا التوصية الرابعة، التي تدعو “جميع الأطراف، إلى استئناف المفاوضات تحت رعاية الأمين العام دون شروط مسبقة وبحسن نية، مع الأخذ في الاعتبار الجهود المبذولة منذ عام 2006 والتطورات اللاحقة بهدف التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول للطرفين، والذي من شأنه أن يوفر تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية في سياق الترتيبات المتسقة مع مبادئ وأغراض ميثاق الأمم المتحدة، مع الإشارة إلى دور ومسؤوليات الأطراف في هذا الصدد”.
القرار أيضا، وفي التوصية لتاسعة، يؤكد على “أهمية الالتزام المتجدد من جانب الأطراف بدفع العملية السياسية إلى الأمام استعداداً لمزيد من المفاوضات”، مع التعبير عن “تأييد” التوصية الواردة في التقرير المؤرخ 14 أبريل 2008 بأن “الواقعية وروح التسوية من جانب الأطراف أمران أساسيان لتحقيق تقدم في المفاوضات”، كما “يشجع البلدان المجاورة على تقديم مساهمات مهمة وفعالة في هذه العملية، ويشدد على أهمية قيام جميع الأطراف المعنية بتوسيع نطاق مواقفها من أجل المضي قدماً في التوصل إلى حل”.
التكتم الذي يحيط بمشاركة الجزائر في مفاوضات مدريد، التي يحضرها أيضا ستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، تُصبح دوافعه واضحة في هذا السياق، إذ ستُصبح الجزائر أمام أنظار الرأي العام الداخلي، طرفا فعليا في الصراع، بعدما علمت لعقود على ترويج خطاب “البلد المراقب”، والداعم لـ”مبدأ تقرير المصير”، وهو ما ردده كثيرا الرئيس عبد المجيد تبون.
وعلى هذا الأساس تتعامل السلطات هناك والإعلام أيضا مع رحلة عطاف إلى العاصمة الإسبانية وكأنها انتهت بمجرد لقائه بألباريس، دون الخوض في السياقات ولا في الخطوات الموالية، وهو ما يُفسر أيضا ما تسرب عن أولى أيام الاجتماع الذي امتد في جلسة جديدة إلى اليوم الاثنين، بخصوص رفض عطاف التقاط أي صورة تجمع بوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة وكذا بولس ودي ميستورا.
ويسود الترقب مخرجات هذه المفاوضات، في ظل الكتمان الذي تفرضه جميع الأطراف، إذ يُنتظر أن تُعلن الإدارة الأمريكية مباشرة بعد انتهاء هذه الجولة، عن الاجتماع في حد ذاته، بشكل رسمي، باعتباره خطوة أولى نحو الطي النهائي للملف وفق قرار مجلس الأمن الأخير، وعلى أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي في صيغته الجديدة المفصلة المكونة من 40 صفحة.
