جدل متصاعد في موريتانيا حول عدد ولايات الحكم المسموح بها للرئيس.. بين دعوات المراجعة وتحذيرات من المساس بالدستور

adminمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
جدل متصاعد في موريتانيا حول عدد ولايات الحكم المسموح بها للرئيس.. بين دعوات المراجعة وتحذيرات من المساس بالدستور


تصاعد الجدل في المشهد السياسي الموريتاني مؤخرًا بعد بروز دعوات إلى مراجعة بعض المقتضيات الدستورية، في مقدمتها مسألة تحديد المأموريات الرئاسية.

ويعكس هذا الحراك حيوية النقاش السياسي وعمق الاستقطاب في آن واحد؛ فبين قراءات تعتبر أن فتح هذا الملف يدخل في صميم الحوار الوطني المرتقب، وأخرى تحذّر من المساس بالنصوص المحصّنة في الدستور، يتواصل السجال في الفضاءين الحزبي والإعلامي بوتيرة متصاعدة.

وعاد الجدل حول تحديد المأموريات إلى الواجهة بقوة مع تصاعد دعوات من شخصيات سياسية محسوبة على الأغلبية الحاكمة لمراجعة الدستور، والدفع بطرح مسألة عدد الولايات ضمن أجندة الحوار الوطني المرتقب. وتتمحور هذه الدعوات حول إمكانية فتح نقاش دستوري قد يفضي إلى السماح للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني بالترشح لمأمورية ثالثة، ما فجّر موجة انتقادات من أطراف معارضة تعتبر الخطوة مساسًا بروح التناوب.

وتزامنت هذه التصريحات مع جولة يقوم بها الرئيس في مدن داخلية، يعقد خلالها اجتماعات مع السكان لمناقشة قضايا التنمية المحلية، غير أن هذه اللقاءات تأثرت بالنقاش الدائر حول الدستور والمأموريات؛ إذ طالب عدد من السياسيين، خلال اجتماعات حضرها الرئيس، بتعديل الدستور.

وخلال أحد هذه اللقاءات، قال النائب السابق الدان ولد عثمان إن “حصر المأموريات الرئاسية في فترتين لم يكن خيارًا صائبًا”، معتبرًا أن “الشعب هو الفيصل في اختيار من يحكمه، ولا ينبغي فرض سقف محدد على إرادة الناخبين”.

ولم يصدر عن الرئيس أي تعليق مباشر على هذه المطالب؛ فلم يؤيدها أو يعارضها، كما لم يوقف أصحابها. وكان قد صرّح قبل أشهر بأن الحوار الوطني المرتقب “لا يستثني أي موضوع”، لكنه في الوقت ذاته رفض أي حديث عن الانتخابات الرئاسية لعام 2029، واعتبره “سابقًا لأوانه”.

وأثارت هذه الدعوات غضب المعارضة وأطرافًا داخل السلطة؛ إذ وصفها النائب البرلماني المعارض محمد الأمين ولد سيدي مولود بأنها “غير دستورية”، معتبرًا أن الحديث عن إرادة الشعب في هذا السياق “غير واقعي وغير آمن بالمرة”، مضيفًا أن من يتابع أوضاع الدول الهشة في المنطقة “يدرك قيمة الاستقرار والتناوب السلمي، مهما كانت علاته”.

وأضاف ولد سيدي مولود: “أنا متأكد أن رئيس الجمهورية لن يجازف باستقرار بلده، وهو العارف بالعسكر والأمن، ولن ينجر وراء دعوات فردية، أصحابها يريدون موطئ قدم لديه الآن أو تعزيز مكانة، أكثر مما يريدون له تمكينًا أو استمرارًا، وأكثر مما يتعلقون به من أمن البلد واستقراره”.

ورغم التزام حزب الإنصاف الحاكم في موريتاني الصمت حيال هذه الدعوات، دخل النائب أحمد جدو الزين على خط للدفاع عنها، مؤكدًا أن مراجعة الدستور “لا تعني تجميده أو تحويله إلى نص خارج التاريخ”. وأضاف أن تعديل الدستور يظل حقًا سياديًا للشعب، متى تم وفق الإجراءات القانونية وبضمانات النزاهة.

ويستند هذا الجدل إلى واقع دستوري أُقر عام 2005، تضمن مواد محصنة تمنع رئيس البلاد من الترشح لأكثر من ولايتين رئاسيتين، كما ألزمت رئيس الجمهورية بأداء يمين يتعهد فيه بعدم السعي إلى تعديل تلك المواد.

ويحكم الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني، وهو جنرال متقاعد في الجيش الموريتاني يبلغ من العمر 70 عامًا، البلاد منذ فوزه في انتخابات 2019، وأعيد انتخابه عام 2024، ولا يتيح له الدستور الحالي الترشح لانتخابات 2029.

ويقود التوجه الداعي إلى إدراج ملف القيود الدستورية ضمن أجندة الحوار عدد من الفاعلين السياسيين، من بينهم الدبلوماسي محمد ببانه، والنائب السابق الدان ولد عثمان، والنائب أحمد جدو الزين. ويرى هؤلاء أن من المشروع طرح المواد المحددة لسقف المأموريات ضمن القضايا الجوهرية للحوار الشامل المنتظر.

ويرتكز المدافعون عن هذا الطرح إلى أن التعديلات الدستورية التي أُقرت عام 2006 جاءت في سياق استثنائي أعقب تغييرًا عسكريًا، وعكست آنذاك هواجس مرتبطة بضبط انتقال السلطة ومنع احتكارها. ويعتبرون أن مرور نحو عقدين على تلك المرحلة، وما شهدته البلاد من تحولات سياسية واجتماعية، يبرر إعادة تقييم تلك المخرجات في ضوء معطيات جديدة.

ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن الدساتير ليست نصوصًا مغلقة، بل أطر قابلة للتطوير وفقًا للمصلحة الوطنية، شريطة احترام الإجراءات القانونية وضمانات الشفافية، مشددين على أن أي تعديل محتمل يظل قرارًا سياديًا يعود للشعب عبر الآليات الدستورية المعتمدة.

وفي السياق ذاته، يرى الدان ولد عثمان أن الحوار الوطني يمثل فرصة مناسبة لمناقشة مختلف الترتيبات التي أعقبت مرحلة 2005، بما في ذلك حصر الرئاسة في مأموريتين وبعض شروط الترشح، معتبرًا أن “نقاشًا هادئًا ومسؤولًا قد يسهم في توسيع قاعدة المشاركة وتعزيز التوافق السياسي”.

في المقابل، دعا بعض النواب وعدد من قادة أحزاب المعارضة إلى مقاطعة الحوار الوطني إذا ما أُدرج ملف المأموريات ضمن جدول أعماله، محذرين من المساس بمبدأ التناوب الذي يعدّونه مكسبًا دستوريًا يجب صونه. واستحضر آخرون تجارب سابقة في المنطقة، معتبرين أن تعديل سقف الولايات غالبًا ما يقود إلى أزمات سياسية ويقوض الثقة في المسار الديمقراطي.

وبالتوازي مع هذا السجال، أُعلن في نواكشوط عن تأسيس إطار سياسي جديد تحت مسمى “تحالف التناوب الديمقراطي”، بدفع من شخصيات وأنصار مقربين من الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز. ومن المتوقع أن يشكل هذا التحالف منصة للتعبئة ضد أي تعديل قد يمس عدد المأموريات، وأن يعزز حضور التيار الداعي إلى احترام النصوص المحصنة.

ويرى مراقبون أن عودة الجدل حول المأموريات تعكس حيوية النقاش السياسي قبيل إطلاق الحوار الوطني، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن انقسام عميق بين من يعتبر مراجعة الدستور مسألة سيادية قابلة للنقاش، ومن يعدّها خطًا أحمر مرتبطًا باستقرار البلاد وضمان التداول السلمي للسلطة.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق