أثار القرار الوزاري المشترك لوزير الداخلية ووزير الصحة والحماية الاجتماعية رقم 1250.25 الصادر في 13 ماي 2025، والمتعلق بتحديد معايير الصحة والسلامة في عمليات دفن الجثث ونقلها، جدلاً واسعًا في الرأي العام المغربي، بعدما نصّت المادة الخامسة على عدم احتواء سيارات نقل الموتى على أي عبارات دينية، والاكتفاء بكتابة “نقل الأموات” مع الإشارة إلى مالك المركبة.
وانتشرت ردود فعل حول القرار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تداول مغاربة منشورات تعكس آراء متباينة بين مؤيد للحياد الإداري ومعارض لإزالة العبارات الدينية من سيارات نقل الموتى، مما ساهم في تصاعد النقاش حول الرمزية الدينية ودورها في المجال العام.
الهيئة الديمقراطية المغربية لحقوق الإنسان اعتبرت، في بيان اطلعت عليه جريدة “مدار21″، أن القرار يطرح إشكالاً حقيقياً في فهم مفهوم الحياد داخل دولة ينص دستورها صراحة على أن الإسلام دينها.
وقالت الهيئة في بيانها إن “الحياد الإداري لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتجريد المجال العام من رموزه الحضارية والثقافية المرتبطة بهوية الأغلبية الساحقة من المواطنين، خاصة عندما يتعلق الأمر بخدمة موجهة عملياً لأموات المسلمين، حيث تشكل العبارة توصيفاً لطبيعة الخدمة لا فرضاً لعقيدة على أحد”.
وأضافت الهيئة أن حماية حقوق الأقليات الدينية مبدأ دستوري ثابت، إلا أن حمايتها لا تعني إلغاء الرموز التعريفية المشروعة للأغلبية، بل تقتضي تمكين كل فئة من خدمات تراعي خصوصيتها الثقافية والدينية دون المساس بثوابت الأمة.
ودعت إلى فتح نقاش مؤسساتي مسؤول حول كيفية التوفيق بين حياد المرفق العمومي والمرجعية الدستورية للدولة.
من جانبه، تساءل الباحث والناشط حسن حمورو حول الهدف الحقيقي للقرار، معتبرًا، أنه لم يُقدم توضيحات كافية للرأي العام، لافتا إلى أن عبارة “لا إله إلا الله محمد رسول الله” التي تحملها مركبات نقل الأموات “ليست شعارا سياسيا ولا لافتة حزبية”.
وأكد المتحدث، في مقال رأي توصلت به جريدة “مدار21″، أن العبارة “إعلان أن الدنيا ببشرها وشجرها، وبكل تنوعها واختلاف الأعراق والأجناس والديانات فيها، إنما هي من خلق إله واحد، إنها ليست مِلكا لأحد حتى تُستعمل أو تُمنع، وليست أداة قابلة للاستثمار أو الاستغلال السياسي أو الديني، إلا إذا أراد البعض توظيفها خارج معناها المتعالي”.
وأشار حمورو إلى أن القرار قد يُفهم خطأ ويثير شعوراً بالمساس بالرموز الدينية لدى الأغلبية، موضحا “مثل هذه القرارات، بدل أن تُحصّن المجتمع، قد تفتح الباب أمام خطاب متطرف يزرع الشعور بأن هناك تضييقًا على الإسلام في بلده، فيتغذى على الإحساس بالاستهداف الرمزي.”
وشدد حمورو على أن “المغرب بلد عاش فيه اليهود والمسيحيون قرونا في ظل احترام متبادل مع المسلمين، ولا أحد ينكر أن مقابرهم قائمة ومحفوظة، وأن الدولة ترعى شؤونهم الدينية من المهد إلى اللحد”، متسائلا: “فلماذا إذن يُتخذ قرار يمس رمزا دينيا مركزيا لدى الأغلبية، دون نقاش مجتمعي موسع أو توضيح كافٍ؟”.
في المقابل، اعتبر الناشط والكاتب أحمد عصيد أن قرار حياد سيارات نقل الأموات خطوة ديمقراطية هامة، تعكس احترام حقوق جميع المواطنين بغض النظر عن انتمائهم الديني أو العقائدي، مفيدا أن “هذه الخطوة ليست مجرد مسألة تقنية، بل هي قرار سياسي يحمل حمولة رمزية قوية”.
وأشار عصيد إلى أن القرار يندرج ضمن مسلسل طويل من الانتقال التدريجي نحو الاعتراف بالتنوع الثقافي والديني في المغرب، الذي بدأ بالجهوية الموسعة والتعدد اللغوي وصولًا إلى الاعتراف بالتعددية الدينية بعد توقيع المغرب على قرار الأمم المتحدة لعام 2014 بشأن حرية المعتقد.
واعتبر عصيد أنه في السابق عندما كان مطلوبًا نقل شخص غير مسلم، غالبًا ما يتم إخفاء كتابة نقل أموات المسلمين لتجنب الحرج، موضحا أن هذا القرار الجديد يأتي في صميم العدالة والمواطنة والديمقراطية، فهو يمنع مثل هذه التمييزات ويعكس احترام حقوق جميع المواطنين، بغض النظر عن انتمائهم الديني أو العقائدي.
وأردف أن السياق السابق “يعكس هوية اختزالية كانت سائدة لدى الدولة والمواطنين على حد سواء، وهي أن المغرب بلد مسلم، مع أقلية صغيرة من اليهود. لكن الواقع مختلف؛ هناك مسيحيون، بهائيون، أحمديون، شيعة، ملحدون، وربوبيون، جميعهم مواطنون بالمغرب ويحملون بطاقة التعريف الوطنية، ويجب أن تقدم لهم الدولة خدماتها، طالما يدفعون الضرائب”.
