تجد الحكومة البريطانية، بقيادة حزب العمال، نفسها مضطرة إلى إعادة ضبط أولوياتها الاقتصادية في مواجهة التداعيات المتسارعة للأزمة في الشرق الأوسط، في مسعى لاحتواء ارتفاع كلفة المعيشة وتفادي تداعيات سياسية محتملة مع اقتراب استحقاقات انتخابية مهمة في إنجلترا واسكتلندا وويلز.
ويأتي هذا التحول في وقت يعاني فيه حزب العمال، بقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر، من تراجع تدريجي في شعبيته، وسط تنامي حالة الاستياء الاجتماعي وصعود لافت لليمين المتطرف الذي يستثمر في تداعيات الأزمة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، كشفت تقارير إعلامية بريطانية أن الحكومة أعدت ملامح خارطة طريق اقتصادية جديدة، تروم تهدئة الأوضاع الاجتماعية والاستجابة لمخاوف الأسر البريطانية.
ومنذ اندلاع العمليات العسكرية الإسرائيلية-الأمريكية ضد إيران، تتزايد المؤشرات السلبية بالنسبة لاقتصاد يرزح أصلا تحت ضغط ارتفاع كلفة المعيشة، حيث تتجه فواتير الطاقة نحو مزيد من الارتفاع، رغم تعهدات الحكومة بكبح الأسعار ودعم الفئات الأكثر هشاشة.
وعلى مستوى الأسواق المالية، تعكس التطورات حالة من القلق المتزايد لدى المستثمرين في ظل الضبابية الجيوسياسية، إذ سجل الجنيه الإسترليني تقلبات ملحوظة، فيما ارتفعت عائدات السندات الحكومية، في مؤشر على توقعات بتسارع التضخم وتزايد الحذر بشأن وضعية المالية العمومية.
ويرى محللون أن أي اضطراب طويل الأمد في إمدادات الطاقة من شأنه أن يزيد من حدة هذه الضغوط، ويعقد مهمة بنك إنجلترا في احتواء التضخم.
وتقترح خارطة الطريق الجديدة مراجعة عميقة للمقاربة الاقتصادية، خاصة في الجانب الضريبي، حيث تحذر من أن استمرار النهج الحالي قد يؤدي إلى تفاقم السخط الشعبي، وهو ما قد يصب في مصلحة حزب “ريفورم يو كيه” اليميني، بزعامة نايجل فاراج.
وتظهر استطلاعات الرأي تقدما لهذا الحزب، حيث كشف استطلاع حديث لمعهد “يوغوف”، لفائدة صحيفتي “التايمز” و”سكاي نيوز”، تصدره نوايا التصويت بنسبة 25 في المائة، متقدما على حزب الخضر (19 في المائة)، فيما يتقاسم المحافظون والعمال المرتبة الثالثة بنسبة 17 في المائة لكل منهما.
ويحذر خبراء من أن استمرار التوتر في الشرق الأوسط من شأنه أن يغذي الغضب الشعبي، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية وتكاليف القروض السكنية، وهي عوامل تؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر.
وفي هذا الإطار، أكد رئيس الوزراء كير ستارمر أن حكومته “تقيم المخاطر بشكل مستمر وتنسق مع الشركاء الدوليين” للحد من تداعيات الأزمة، محذرا من أن إطالة أمد النزاع مع إيران قد تكون له انعكاسات اقتصادية واسعة.
من جانبها، اعتبرت وزيرة المالية، راشيل ريفز، أن التطورات الأخيرة مرشحة لممارسة ضغوط تصاعدية على التضخم خلال الأشهر المقبلة.
وبخصوص الإجراءات المرتقبة، تدرس الحكومة خيارات تشمل تعديلات ضريبية مستهدفة لتخفيف العبء على الأسر، وتعزيز برامج الدعم للفئات الهشة، إلى جانب إمكانية إقرار آليات لمساندة الشركات الأكثر تأثرا، بهدف حماية مناصب الشغل والاستثمار، دون الإخلال بتوازن المالية العمومية.
وفي ظل هذا السياق، أكدت صحيفة “فايننشال تايمز” أن الحكومة تعتمد نهجا حذرا، متجنبة تقديم وعود مفرطة بشأن حماية الأسر من ارتفاع أسعار الطاقة، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية لاتخاذ إجراءات ملموسة وسريعة.
