أسدل الستار مساء يوم أمس الخميس على مسار وليد الركراكي رفقة المنتخب الوطني، وهو رحيلٌ يأتي ختاماً لمسار متميز لم يكن فيه وليد مجرد مدرب عابر، بل كان “المهندس” الذي هدم جدران المستحيل وقاد الجماهير المغربية لنيل اعترافٍ عالمي غير مسبوق.
وبين صخب الإنجاز التاريخي في المونديال وهدوء الوداع الأخير، يترك الركراكي خلفه إرثاً عصياً على النسيان، ومساراً فريداً بدأ قبل عقدين كلاعب مقاتل على الرواق الأيمن، وانتهى كواحد من أنجح القادة الذين تعاقبوا على دكة بدلاء “أسود الأطلس”.
من ملاعب فرنسا إلى عرين “الأسود“
لم تكن انطلاقة وليد مع المنتخب الوطني حديثة العهد أو مرتبطة فقط بجلوسه على دكة الاحتياط كربان للسفينة، بل بدأت القصة منذ سنة 2001، حين ارتدى قميص المنتخب لأول مرة كلاعب، بعد أن بلغ أوج عطائه وتألق بشكل لافت في الدوري الفرنسي مع نادي أجاكسيو.
واشتهر الركراكي آنذاك بشغله مركز الظهير الأيمن، وعُرف بانضباطه التكتيكي وصلابته الدفاعية، ولعلهما الصفتان اللتان ظلتا ملازمتين له حتى في مسيرته التدريبية.
وامتدت مسيرة الركراكي كلاعب رفقة الأسود حتى عام 2009، خاض خلالها 45 مباراة دولية، وشارك في تصفيات كأس العالم لنسخ 2002، 2006، و2010. غير أن الإنجاز الأبرز له كلاعب كان الوصول إلى نهائي كأس أمم إفريقيا 2004 بتونس، حيث خسر هناك وليد أول نهائي له رفقة “الأسود”.
من المستطيل الأخضر إلى دكة البدلاء
لم يكن اعتزال وليد في 2012 إلا نقطة انطلاق لفصلٍ جديد أكثر إثارة، حيث خلع قميص اللعب ليرتدي بذلة القيادة كمساعد للناخب الوطني رشيد الطاوسي، ولم يمض الكثير حتى تحول “المساعد الشاب” إلى رقم صعب كإطار وطني بعدما تمكن من التتويج رفقة فريق الوداد الرياضي بلقب دوري أبطال إفريقيا.
وبعد الصورة المتميزة التي قدمها، ووسط الجدل الكبير الذي أحاط بالناخب السابق وحيد خليلوزيتش، قررت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في 31 غشت 2022 تعيين وليد مدرباً للمنتخب، قبل أشهر قليلة من انطلاق مونديال قطر 2022، وكان الركراكي أنذاك أمام وضع صعب، كان المُطالب فيه لا يقتصر على بناء فريق تنافسي فحسب، بل إعادة لمّ شمل الكتيبة الوطنية وترميم انسجامها المفقود.
المعجزة المونديالية والتعثر الإفريقي
سرعان ما حصد وليد ثمار مجهوده، فبعد تصدر مجموعة قوية ضمت كرواتيا وبلجيكا وكندا، نجح في الإطاحة بالمنتخب الإسباني في ثمن النهائي بركلات الترجيح، ثم أقصى البرتغال في ربع النهائي، لينهي المشاركة العالمية في المركز الرابع كأول منتخب إفريقي وعربي يحقق هذا الإنجاز.
ليتحول وليد بعد المونديال إلى أحد أشهر المدربين عالمياً، غير أنه على المستوى الإفريقي،لم يكن قادرا على تحقيق نتائج مثل التي حققها في كأس العالم، ففي “كان” كوت ديفوار 2023، أقصي المنتخب الوطني بشكل مفاجئ أمام جنوب إفريقيا بعدما كان المنتخب المغربي آنذاك مرشحا فوق العادة للتتويج باللقب.
وفي نسخة 2025، عاد الركراكي ليقف مجدداً على أعتاب الحلم في المباراة النهائية، لكن هذه المرة من مقعد القيادة لا من قلب الميدان، غير أن اللقب استعصى عليه مرة أخرى، ليُدون اسمه كأول مغربي يتجرع مرارة خسارة النهائي الإفريقي لاعباً ومدرباً.
ولم تكن هذه الهزيمة كسابقتها، بل فجّرت في وجهه براكين الغضب، ووضعته مباشرة في مرمى نيران الانتقادات الجماهيرية التي لم تستسغ كسر كبرياء الطموح أو تقبل بضياع التاج الإفريقي.
لغة الأرقام: حصيلة استثنائية
بعيداً عن العواطف، يبقى وليد بالأرقام أحد أقوى المدربين في تاريخ المغرب، حيث ترك المنتخب وهو في المركز الثامن عالمياً. حيث قاد الركراكي “الأسود” في 49 مباراة، حقق خلالها 36 انتصاراً و8 تعادلات، مقابل 5 هزائم فقط، بنسبة انتصار بلغت حوالي 73%، وهي النسبة الأعلى لمدرب وطني.
كما سجل المنتخب الوطني تحت قيادته 100 هدف، بينما استقبلت شباكه قرابة 30 هدفاً، في رقم يعكس مدى قوة وليد كمدرب.
وعلى الرغم من العتاب الجماهيري الأخير، لا ينكر المغاربة ما حققه الركراكي، الذي أعاد الهيبة للقميص الوطني، وكسر الجليد بين الجمهور ومنتخبٍ عانى طويلاً من الانكسارات. واليوم، لا تأتي المطالبة بالتغيير من باب نكران الجميل، بل كضرورة لـ “تجديد الدماء” واستكمال المسار فوق القواعد المتينة التي أرساها وليد.
