زنقة 20 ا الرباط
تمثل الانطلاقة الفعلية للمجموعات الصحية الترابية في المغرب، تحولاً استراتيجياً نوعياً في مسار إصلاح المنظومة الصحية الوطنية، و تجسيداً للتوجيهات الملكية الرامية إلى إرساء نظام صحي عصري، منصف ومندمج.
ولا يقتصر هذا التحول على إعادة هيكلة القطاع الصحي فحسب، بل يمتد ليشمل تعزيز الحكامة الترابية وتيسير ولوج المواطنين إلى الخدمات الصحية، محققاً بذلك غايات متعددة تصب في مصلحة المواطن بكل جهات المملكة.
و يعد ترؤس رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، لاجتماع الدورة الأولى لمجلس إدارة للمجموعة الصحية الترابية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، مؤشرا دالا من الحكومة على الشروع الفعلي في تنزيل تعميم هذا المشروع الطموح بجميع جهات المملكة مستقبلا، والذي من شأنه أن يعزز الحكامة الترابية المبنية على أساس الجهوية المتقدمة والنموذج التنموي الجديد.
وتأتي المجموعات الصحية الترابية، في إطار تصور حكومي شامل، يروم تجاوز المعيقات من خلال إعادة تنظيم العرض الصحي ضمن مؤسسة واحدة على المستوى الجهوي. هذا التنظيم الجديد يهدف إلى تحقيق التكامل بين مختلف مستويات الرعاية الصحية ببلادنا، بدءًا من مراكز الرعاية الأولية وصولاً إلى المستشفيات الجامعية، مما يضمن تدفق المعلومات والخدمات بسلاسة ويُسر خدمة للمواطن في أي جهة كان ببلادنا.
كما أن انعقاد أول مجلس إدارة للمجموعة الصحية الترابية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة برئاسة أخنوش، يؤكد الأهمية القصوى التي توليها الحكومة لهذا الورش الإصلاحي. إذ إن هذا الاجتماع، الذي شهد مناقشة الأسس التنظيمية للمجموعة والمصادقة على برنامج عملها وميزانية لسنة 2025 وهيكلها التنظيمي، يضع اللبنات الأساسية لحكامة رشيدة وفعالة.
فمن خلال دمج الصلاحيات والمسؤوليات على المستوى الجهوي، ستصبح المجموعات الصحية قادرة على اتخاذ قرارات أكثر مرونة واستجابة للاحتياجات المحلية، مما يعزز مبدأ اللامركزية ويقرب الإدارة من الواقع الميداني للمواطنين لا سيما في المناطق البعيدة جغرافيا عن المركز.
ولا تقتصر أهداف المجموعات الصحية الترابية على تعزيز الحكامة فحسب، بل تتعداه لتشمل تيسير ولوج المواطنين إلى الخدمات الصحية بشكل فعال ومنصف يضمن العدالة المجالية. فمن أبرز التحديات التي يواجهها المواطنون في الحصول على الرعاية الصحية، يوجد الاضطرار إلى التنقل لمسافات طويلة، أحياناً إلى العاصمة الرباط أو إحدى المدن الكبرى للحصول على خدمات صحية متخصصة.
وهنا يمكن الجزم بأن هذا النموذج الجديد، يعكس إرادة وطنية في بناء نظام صحي يوفر خدمات متكاملة ويحد من التفاوتات الجهوية. من خلال إعادة تنظيم العرض الصحي على المستوى الجهوي، وتوفير خدمات متكاملة في إطار مؤسسة واحدة، تمكن المواطنين من الحصول على الرعاية التي يحتاجونها دون عناء التنقل. وهذا من شأنه أن ييسر مسار العلاج، ويعزز مبدأ القرب والجودة والنجاعة في تقديم الخدمات الصحية العمومية للمغاربة.
كما أن هذا الإصلاح يسهم في تثمين الموارد البشرية وتأهيل البنيات التحتية، وهو ما ينعكس إيجاباً على جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين من المرضى وذويهم. وعلى اعتبار أن جهة طنجة-تطوان-الحسيمة نموذج مرجعي لهذه التجربة، فمن المتوقع أن تشهد باقي جهات المملكة عند تعميمها تحسناً ملموساً في جودة وسهولة الحصول على الرعاية الصحية، لتسهم بذلك في إرساء منظومة صحية وطنية أكثر إنصافاً وفعالية في إطار ورش تعميم الحماية الاجتماعية.
