في نصف ساعة فقط، كان الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بين أيدي القوات الأمريكية الخاصة، التي تحركت بقرار من الرئيس دونالد ترامب، بعد أشهر من تلويحه المتواصل بالتدخل العسكري في قلب كراكاس، لإنهاء سُلطة “عدوه” الذي يحكم البلاد منذ نحو 13 عاما، والذي تتهمه واشنطن بالاتجار في المخدرات.
مادورو، وريث الحُكم “البوليفاري” الذي رسخه الرئيس الراحل هوغو تشافيز منذ وصوله إلى منصب الرئيس سنة 1999، تحت مسمى “الجمهورية الخامسة”، جعل بلاده طيلة هذه العقود ثاني أبرز دولة داعمة لجبهة “البوليساريو” الانفصالية في أمريكا اللاتينية، بعد كوبا، إحدى مزودي مقاتلي الجبهة بالسلاح والعتاد خلال فترة حرب الصحراء.
سقوط مادورو، الذي ستكشف الأيام، وربما الساعات القادمة، ما إذا كان يعني انهيار النظام الاشتراكي في فنزويلا التي تعيش أزمة اقتصادية خانقة منذ سنوات نتيجة العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة عليها، يعني أيضا أن مسلسل سقوط أحجار “الدومينو” المؤيدة للطرح الانفصالي في الصحراء، يتوالى بسرعة، في ظل توجه دولي نحو إنهاء هذا الملف الموروث عن حقبة الحرب الباردة والذي عمر لخمسين عاما.
سقوط المعقل البوليفاري
ظلت العلاقة بين فنزويلا “البوليفارية” وجبهة “البوليساريو”، تسير في خط تصاعدي في عهد مادورو، وبالتزامن مع تراجع العديد من دول أمريكا الجنوبية والوسطى عن الاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، والتوجه نحو إعلان دعم مقترح الحكم الذاتي المغربي كحل لنزاع الصحراء، كانت كراكاس تمثل عمقا استراتيجيا للطرح الانفصالي، خصوصا بفضل علاقاتها مع الرؤساء الاشتراكيين.
هذا الزواج الكاثوليكي بين الطرفين لم يفتر حتى بعد وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، بعدما كان قد اعترف بالسيادة المغربية على الصحراء في نهاية ولايته الأولى، فقبل نحو أسبوع من أدائه اليمين استقبل مادورو القيادي في جبهة “البوليساريو” بشرايا حمودي بيون، باعتباره “الوزير الأول الصحراوي”، ليعبر له عن دعم بلاده لـ”تقرير المصير”.
مادورو كان طيلة سنوات حُكمه مُصرا على إعطاء “الشرعية السياسية” لما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، ففي مارس من سنة 2023، استقبل زعيم جبهة “البوليساريو” إبراهيم غالي، باعتباره “رئيس دولة”، بقاعة “سيمون بوليفار” بقصر “ميرافلوريس” الرئاسي في كراكاس، وهناك منحه وسام “المحررين” وسيف “المنتصر”، كما وقع معه اتفاقيات لـ”التعاون الاستراتيجي الشامل”.
دعم “البوليساريو” كان بالنسبة لمادورو يعني أيضا أن أبواب الجزائر ستظل مُشرعة له لتُمكنه من موطئ قدم في منطقة شمال إفريقيا، في ظل العزلة التي تعيشها بلاده منذ سنوات، لذلك حمل معه ملف “البوليساريو” إلى قصر المرادية حين استقبله الرئيس عبد المجيد تبون في يونيو من سنة 2022، ليُعلن الثنائي اتفاقهما على “ضرورة دعم الشعب الصحراوي من أجل تقرير مصيره”.
الرباط من جهتها، كانت تعلم أن بقاء مادورو في السلطة يعني استمرار توغل الطرح الانفصالي في أمريكا الجنوبية رغم الجهد الدبلوماسي المغربي هناك، لذلك أعلنت في 2019 دعم رئيس الجمعية الوطنية الفنزويلية (البرلمان)، خوان غوايدو، باعتباره الرئيس المؤقت للبلاد، هذا الأخير الذي عجل بإعلان مساندة مقترح الحكم الذاتي في الصحراء تحت السيادة المغربية.
ضربة سبقتها ضربات
انتهاء عهد مادورو في فنزويلا، يعني أن “البوليساريو” فقدت أحد أقوى حلفائها في الوقت الراهن، الذي تعيش فيه تحت ضغط دولي، يرى في مقترح الحكم الذاتي الحل العملي الممكن والنهائي لنزاع الصحراء، الأمر الذي بلغ ذروته في 31 أكتوبر 2025، مع صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي يدعو أطراف النزاع إلى التفاوض انطلاقا من هذا المقترح.
لكن ما يجعل سقوط مادورو قاسيا بالنسبة لجبهة “البوليساريو”، هو أنه حلقة جديدة من حلقات سقوط الرؤساء الداعمين للطرح الانفصالي، وهو أمر يمكن القول إنه بدأ “معنويا” منذ 2011، حين قُتل الزعيم الليبي معمر القذافي، الذي يعد الممول الرئيس والمحتضن الأول لجبهة “البوليساريو” الانفصالية، في سياق صراعه مع الملك الراحل الحسن الثاني في السبعينات.
القذافي، وكما حكى ذلك سنة 2023 محمد أبو القاسم الزوي، آخر أمين لمؤتمر الشعب العام في ليبيا، والسفير الأسبق لطرابلس في الرباط، هو الذي “صنع الجمهورية الصحراوية”، مضيفا في لقاء بثته قناة “العربية” إن الجزائريين أنفسهم “لم يكونوا موافقين في البداية، وكان الهدف هو إحراج ملك المغرب”، إذ إن الغرض الأول كان استخباراتيا وأتى للرد على دعم الرباط للمعارضة الليبية، لدرجة أن الرئيس الجزائري الراحل، هواري بومدين، قال للقذافي “ولدت المولود ووضعته لنا نحن أول ما ازداد”.
وإن كان القذافي قد أنهى دعمه للبوليساريو في الثمانينات، فإن أنظمة أخرى استمرت في دعمها، أبرزها، في العالم العربي، بعد الجزائر، سوريا في عهد بشار الأسد، هذا الأخير الذي سقط نظامه في دجنبر من سنة 2024، بعد حرب طاحنة استمرت منذ 2011 ارتكب خلالها النظام الكثير من الجرائم الموثقة ضد المدنيين المطالبين برحيله.
جبهة “البوليساريو” كانت متورطة في تلك الجرائم، حيث شارك مقاتلوها ضمن القوات الموالية للأسد على شكل مرتزقة، إذ وفق وزير التنمية الإدارية السوري الأسبق، فهد المصري، الذي انشق عن النظام وأصبح رئيسا لجبهة الإنقاذ الوطني، فإن هناك 200 مقاتل تابع للجبهة أرسلهم الحرس الثوري الإيراني إلى الجنوب السوري، وجرى نشرهم في في مطار الثعلة العسكري، وهو قاعدة دفاع جوي في السويداء، وكذلك في اللواء 90 الذي يقع على بُعد 20 كيلومترا فقط من هضبة الجولان.
المغرب اختار منذ بداية الثورة أن يقف ضد نظام الأسد في سوريا، وفي 2012 قرر إغلاق سفارته في دمشق، وهو ما أدى إلى مواجهات علنية بين الطرفية داخل الأمم المتحدة، آخرها كانت في أكتوبر من سنة 2024، حين أعرب السفير السوري، أمام اللجنة الرابعة، عن دعم بلاده للطرح الانفصالي، الأمر الذي نوهت به “البوليساريو”، دون أن تدري أن النظام سيسقط بعدها بأسابيع قليلة.
لذلك، كان بديهيا أن يكون المغرب من أوائل الدول العربية التي اعترفت بالسلطات الانتقالية في سوريا، وفي 4 فبراير 2025 بعث الملك محمد السادس رسالة إلى أحمد الشرع ليهنئه على تولي رئاسة البلاد، وفي ماي من السنة نفسها ستُغلق السلطات السورية بشكل رسمي مقر جبهة “البوليساريو” في دمشق، لتدق المسمار الأخير في نعش العلاقة بين هذه الأخيرة وبين نظام “البعث” و”آل الأسد”.
حلفاء على وشك الانهيار؟
انهيار حلفاء البوليساريو، ليس مرتبطا بالرؤساء الذين سقطوا فقط، بل أيضا بالأزمات التي تعيشها دول ومنظمات ترى الرباط أن العلاقة بينها وبين الجبهة الانفصالية موثقة منذ أمد غير قصير، والحديث هنا عن إيران و”حزب الله” اللبنان، والاثنان يعيشان حاليا فترة ضعف غير مسبوقة موروثة عن سنة 2025، حين وُجهت إليهما ضربات عسكرية عنيفة من الولايات المتحدة وإسرائيل.
حزب الله، الذي اتهمته الخارجية المغربية في 2018 بدعم وتدريب عناصر “البوليساريو” في تندوف، لا زال عاجزا عن إيجاد التوازن منذ أن أسقطت الضربات الإسرائيلية جميع قادته السياسيين والميدانيين من الصفين الأول والثاني، أبرزهم أمينه العام حسن نصر الله في في 27 شتنبر 2024، والمرشح الأول لخلافته، هاشم صفي الدين في 3 أكتوبر 2024، وأقصى ما يسعى إليه الآن هو تفادي إجباره على تسليم سلاحه للدولة اللبنانية.
أما إيران، التي لا زالت لم تستفق بعد من كابوس الضربة الجوية الأمريكية لفجر يوم 22 يونيو 2025، التي سُمية بـ”عملية مطرقة منتصف الليل”، كناية عن تدميرها أكبر المنشآت النووية في فوردو ونطنز وأصفهان، بدأت عام 2026 باحتجاجات اجتماعية متزايدة مضت إلى المطالبة بإسقاط النظام، بعد مقتل 10 محتجين على الأقل، رغم إقرار رئيس البلاد، مسعود بزشكيان، بالظروف المعيشية الصعبة التي يعاني منها المواطنون.
في ظل كل ذلك، فإن جبهة “البوليساريو”، التي خسرت مسبقا دعم عشرات الدول الإفريقية، والتي تواجه تحولا متسارعا في المواقف الأوروبية نحو الدعم الصريح لمقترح الحكم الذاتي المغربي، لم تعد تجد أي “مأوى” سياسي ومالي حقيقي باستثناء الجزائر، التي أصبحت بدورها موضوعة تحت الضغوط الأمريكية، التي تحثها على الجلوس لطاولة التفاوض مع المغرب، وإنهاء نزاع الصحراء بناء على مقترح الحكم الذاتي.
