حين يتحول الحوار إلى واجهة.. لماذا يرفض المحامون مشروع قانون المحاماة؟

admin10 فبراير 2026آخر تحديث :
حين يتحول الحوار إلى واجهة.. لماذا يرفض المحامون مشروع قانون المحاماة؟


لم يكن قرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب القاضي بالتوقف الشامل عن أداء مهام الدفاع لآجال غير محدد وليد مزايدة سياسية، ولا تعبيرًا عن نزوع تصعيدي معزول عن سياقه وأسبابه الموضوعية، بل جاء كقناعة جماعية نتيجة مسار طويل من الحوار والنقاش مع السلطة التنفيذية المكلفة بالعدل حول القانون المنظم لمهنة المحاماة.

مسار اعتقدت خلاله الجمعية، بحسن نية، أنه حوار مؤسساتي جاد ومسؤول، قائم على الثقة المتبادلة بينها وبين وزارة العدل، يهدف إلى بلورة قانون منظم لمهنة المحاماة متوافق حوله، يرتقي بأدوارها الدستورية، ويقوي رسالتها الحقوقية الكونية، ويكرس مكتسباتها، ويوسع صلاحياتها، ويبوئها موقعها الطبيعي داخل منظومة العدالة، باعتبارها ركنًا لا غنى عنه لتحقيق ولوج ميسر ومستنير لمرفق العدالة، وشرطًا جوهريًا لتكريس شروط وقواعد المحاكمة العادلة في أبعادها الشاملة، وشريكة لا محيد عنها في حماية الحقوق والحريات وسيادة القانون.

غير أن هذا المسار انتهى إلى نتيجة مغايرة تمامًا لما كان متوقعًا، فقد تبيّن، مع توالي الأحداث والوقائع والتسريبات وتصريحات السيد وزير العدل، أن الحوار لم يكن في عمقه سوى واجهة شكلية، الغرض منه صرف انتباه السادة المحامين ومؤسساتهم المهنية عما يطبخ داخل أروقة الوزارة، في الوقت الذي كانت فيه هذه الأخيرة تُعدّ في الخفاء، وبعيدًا عن أي تشاور مؤسساتي تشاركي حقيقي، مشروع قانون لا يمت بصلة للنص الذي كان موضوع حوار ونقاش وتداول وتوافق متقدم بين جمعية هيئات المحامين بالمغرب والسلطة التنفيذية المكلفة بالعدل.

وهو ما يشكل، في حد ذاته، إخلالًا واضحًا من جانب السيد وزير العدل بمنهجية المقاربة التشاركية التي يكرسها ويضمنها الدستور، والتي يفترض أن تؤطر الحوار والنقاش المهني والمؤسساتي المرتبط بمنظومة العدالة، بما في ذلك التشريع المنظم لمهنة المحاماة، في إطار احترام تام لكافة الفاعلين المعنيين، وفي مقدمتهم جمعية هيئات المحامين بالمغرب، دون إقصاء أو تبخيس لأدوارهم.

والمثير للانتباه أن مشروع القانون رقم 66.23 الذي أحاله وزير العدل على الأمانة العامة للحكومة، والذي صودق عليه داخل المجلس الحكومي وأُحيل على البرلمان لسلوك مساره التشريعي، تضمن مقتضيات جديدة كثيرة تنطوي على قدر وافر من الخطورة، تستهدف في مجملها جوهر مهنة المحاماة ومقوماتها الأساسية وأركانها الجوهرية، وفي مقدمتها الاستقلال، والحرية، والحصانة المهنية، والتنظيم الذاتي، وهي مبادئ غير قابلة للتفاوض أو المساومة أو التنازل، وأي محاولة للمساس بها من شأنها أن تؤدي، بالضرورة، إلى تقويض الأمن المهني المرتبط بالمحامي من حيث كونه محاميًا.

وهذه الضمانات لا تُعد امتيازات مهنية فئوية، مرتبطة وجودًا وعدمًا بشخص المحامي، كما يُراد أحيانًا تصويرها في بعض التصريحات والخرجات الإعلامية، ولا سيما تلك الصادرة عن السيد وزير العدل، والتي تميل، في كثير من الأحيان، إلى تبخيس أدوار مهنة المحاماة، والنيل من رمزيتها، والانتقاص من مكانتها وأهميتها داخل منظومة العدالة، بل تشكل، في حقيقتها، ركائز أساسية لحق الدفاع المكفول لكافة المواطنين على قدم المساواة بموجب الدستور، وشرطًا جوهريًا لضمان أسس ودعائم المحاكمة العادلة، وتحقيق التوازن اللازم بين سلطة الاتهام وسلطة الدفاع.

فإضعاف المحاماة، عبر المسّ باستقلالها وتجريدها من حصانتها، وتقييد حريتها، وسلبها حقها في التنظيم الذاتي، لن ينعكس فقط على مكانة المحامي واعتباره داخل منظومة العدالة، بوصفه مؤتمنًا على ممارسة حق كوني مكفول بموجب الدستور، ألا وهو حق الدفاع، بل سيصيب، في الصميم، حق المواطن في الدفاع عن نفسه، من خلال المساس بإمكانية تمتعه بدفاع قوي، مستقل، محصن وحر، قادر على الترافع عن حقوقه ومكتسباته أمام مختلف الجهات المختصة، بضمانات صلبة تتيح له بسط دفوعه دون أي تضييق أو خوف.

إن أي نقاش جدي ومسؤول حول إصلاح منظومة العدالة، وضمنها مهنة المحاماة، لا يمكن أن يتجاهل هذه الحقيقة الجوهرية، المتمثلة في أن المحامي لا يضطلع بمجرد وظيفة إدارية أو تقنية محايدة، بل يمارس حقًا دستوريًا أصيلًا هو الحق في الدفاع، قوامه حماية الحقوق والحريات، وضمان احترام المشروعية، والوقوف في مواجهة كل تعسف محتمل في استعمال السلطة أو الانحراف في توظيفها، والاضطلاع بهذا الدور لن يتم على الوجه المطلوب إلا بتكريس ضمانات تحصن المحامي وتمنحه حرية ممارسة مهامه باستقلالية وحصانة.

وفي هذا السياق، يطرح نفسه بإلحاح سؤال الاستعجال غير المبرر الذي يطبع إصرار وزير العدل على تمرير هذا المشروع في زمن قياسي، رغم الأعطاب الكبرى التي تعتري مقتضياته، والملاحظات الكبيرة التي يمكن إبداؤها بشأنه، في ظل غياب أي مبررات قانونية أو موضوعية جدية يمكن أن تفسر هذه الوتيرة المتسارعة والمبالغ فيها.

فبالرجوع إلى المذكرة التقديمية المرفقة بمشروع القانون رقم 66.23، والتي يُفترض فيها أن تُبيّن أسباب نزول هذا التعديل ودواعيه، وتكشف خلفياته وسياقه الفلسفي والسياسي والاقتصادي، فضلًا عن الأهداف والغايات والمقاصد المتوخاة منه، يتعذر الوقوف على أي اعتبار من شأنه تبرير هذا التدخل التشريعي، سواء من حيث توقيته أو من حيث الكيفية الأحادية والعنيفة التي يحاول وزير العدل فرضه بها.

بل إن هذه المذكرة التقديمية تتضمن عناوين لا تعكس مضمونها الحقيقي في نص المشروع، إذ نجد، على سبيل المثال لا الحصر، العنوان المتصل بحصانة الدفاع، الذي تدّعي المذكرة أنه يعززها، بينما يكشف نص المشروع، ولا سيما المادة 78 منه، عن العكس تمامًا.

فقد أضحى اعتقال المحامي أو وضعه تحت تدبير الحراسة النظرية تراجعًا عمّا كان عليه الأمر في القانون الحالي، الذي كان يفرض، قبل الاعتقال أو الوضع تحت تدبير الحراسة النظرية، إشعار نقيب الهيئة التي ينتمي إليها المحامي موضوع الاعتقال أولًا.

غير أنه، في المشروع الجديد، يُتاح اعتقال المحامي ووضعه تحت تدبير الحراسة النظرية دون إشعار نقيب الهيئة التي ينتمي إليها، إذ لا يتم هذا الإشعار إلا بعد مرحلة الاعتقال أو تطبيق مسطرة الوضع تحت تدبير الحراسة النظرية، كما أصبح الإشعار وفق المشروع الجديد يُوجَّه إلى نقيب هيئة المحامين الواقعة بالدائرة القضائية لمحكمة الاستئناف التي وقع الاعتقال في نفوذها، وهو ما يشكل مساسًا جوهريًا وخطيرًا بحصانة الدفاع، وتراجعًا واضحًا عن الضمانات التي كانت مقررة لفائدة مهنة المحاماة.

ونحن هنا لا نطالب بضمانات قانونية استثنائية لفائدة المحامين، بل إن طبيعة عمل المحامي والمسؤولية الملقاة على عاتقه تجعله في تماس مباشر مع أجهزة ومؤسسات خوّل لها المشرّع سلطات واسعة، وبالتالي فهو معرّض لتقييد حريته في أي وقت وتحت اي مبرر، ويظل تحصينه بضمانات قانونية واضحة، الوسيلة الوحيدة التي تمكّنه من أداء مهام الدفاع بحرية، دون خوف أو ترهيب أو ضغط من أي جهة كانت.

وهو ما يفتح الباب أمام التساؤل حول ما إذا كان هذا الإختيار التشريعي تحكمه اعتبارات سياسية غير معلنة، أو إملاءات صادرة عن جهات ترى مصلحتها في إضعاف جسم المحاماة وتحييدها عن رسالتها الحقوقية الأصيلة، ودورها الدستوري في ممارسة حق الدفاع بحرية واستقلالية وحصانة.

بل إن جميع المعطيات والاعتبارات المحيطة بهذا المشروع توحي بأن الأمر يتعلق بخيار تشريعي أحادي، يستهدف مهنة المحاماة في مبادئها وأركانها ومقوماتها الجوهرية. 

على اعتبار أن هذا المشروع لم يُبنَ على تشخيص تشاركي حقيقي للاختلالات المهنية القائمة، ولا على تقييم موضوعي لحاجيات ومتطلبات المهنة، ولا يأخذ بعين الاعتبار تطلعات وانتظارات نسائها ورجالاتها، كما أنه لا يكرس المكتسبات المهنية المحققة في التجربة المغربية المتصلة بالعدالة.

ويزداد هذا التساؤل مشروعية إذا استحضرنا أن وزير العدل نفسه سبق أن أكد علنًا، صوتًا وصورة، في أكثر من مناسبة، أن أي تعديل سيطال قانون مهنة المحاماة لن يتم إلا في إطار الحوار مع الهيئات المهنية، وأنه لن يحيل القانون إلا بعد التوافق حول كافة القضايا والمسائل الخلافية التي تعتريه، وهو ما يجعل ما وقع اليوم يطرح، بحدة، سؤال احترام الالتزامات السياسية والأخلاقية التي يفترض أن تؤطر العلاقة بين الفاعلين داخل منظومة العدالة، ولا سيما من جانب وزارة العدل التي تحتكر المبادرة التشريعية في هذا الباب.

الأخطر من ذلك أن هذا المشروع يمنح صلاحيات واسعة للسلطة التنفيذية المكلفة بالعدل للتدخل في تنظيم مهنة المحاماة، إذ بالرجوع إلى نص المشروع نجد هذه الصلاحيات حاضرة في كل صغيرة وكبيرة، بدءًا بتحديد شروط ولوج المهنة الواردة في الفرع الأول من الباب الثاني من مشروع القانون، مرورًا بالتمرين المنصوص عليه في الفرع الثاني من المشروع نفسه، وصولًا إلى التكوين والتكوين المستمر، وغيرها من المواد التي ترمي إلى التضييق على المحامي أثناء اداء مهامه الدستورية، بما يعني أننا أمام مساس واضح بمبدأ التنظيم الذاتي لمهنة المحاماة.

ناهيك عن كون المشروع الجديد يفتح الباب، بشكل غير مسبوق، أمام النيابة العامة لبسط رقابتها على السادة المحامين، في إخلال بيّن بمبدأ التوازن المفترض بين سلطة الاتهام وسلطة الدفاع.

وهو توجه تشريعي لا يقود إلى تعزيز دولة الحق والقانون والمؤسسات، بقدر ما يثير التخوف من منطق الهيمنة وإعادة تشكيل العدالة وأهدافها ومقاصدها الفضلى على حساب استقلال أحد مكوناتها الأساسية.

كما أن المشروع، في عمقه، ينطوي على مقتضيات تُفرغ مؤسسة النقيب من جوهرها، وتحولها إلى مجرد وسيط إداري بين وزارة العدل والنيابة العامة في تدبير شؤون السادة المحامين، في تعارض صريح مع مبدأ التدبير الذاتي الذي تتمتع به المهنة، ليس في المغرب فقط، بل في مختلف التجارب المقارنة التي جعلت من مبدأ استقلال هيئات المحامين ركيزة أساسية لعدالة مستقلة ونزيهة وناجعة وفعالة.

وفي السياق ذاته، يثير الخطاب الذي يتبناه وزير العدل تجاه السادة المحامين، والمتسم بالمزاجية والانتقائية والتحريض والإساءة وتعميم الاتهامات، أكثر من علامة استفهام، خاصة وأنه صادر عن مسؤول حكومي سبق له الانتماء إلى المهنة نفسها، ولا يزال مكتبه يمارس نشاطه المهني، بل وتوسع نشاطه في ظل تحمّله المسؤولية الحكومية.

إن استحضار وقائع فردية وأخطاء عارضة ومعزولة داخل قبة البرلمان من طرف وزير العدل، بهدف الإساءة للسادة المحامين، وتحويلها إلى ذريعة لفرض اختيارات تشريعية تمس هوية المهنة برمتها، لا يخدم نقاشًا عموميًا رصينًا، ولا يرتقي إلى مستوى الحوار المؤسساتي المسؤول الذي يفرضه أي إصلاح يتعلق بأحد أركان منظومة العدالة.

وزاد من حدة هذا القلق ما سبق أن صرح به وزير العدل، صراحة، من داخل قبة البرلمان، حين ربط المخطط التشريعي بتطلعات ورغبات وأهواء رجال المال والأعمال، في إقرار واضح يبعث على التساؤل حول فلسفة ومنطق تشريع القوانين، وخاصة منها المرتبطة بحقوق وحريات المواطنين، وحول ما إذا كانت تُصاغ وفق المصلحة العامة أم على مقاس فئات محدودة، تكرس التمييز وتخل بمبدأ المساواة أمام القانون.

إن قرار التوقف الشامل عن أداء مهام الدفاع، في هذا السياق، لا يمكن فهمه إلا بوصفه تعبيرًا عن أزمة ثقة عميقة بين السلطة التنفيذية المكلفة بالعدل وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، ناجمة عن سلوكيات طائشة وغير مسؤولة صادرة عن وزير العدل، وعن قلق مشروع يجتاح الجسم المهني بسبب اختيار تشريعي يهدد بإعادة تعريف مهنة المحاماة خارج مهامها ووظائفها الدستورية، وبعيدًا عن قيمها ومبادئها ورسالتها الحقوقية الكونية.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق