علمت “الصحيفة” من خلال معطيات خاصة حصلت عليها من مصادر مسؤولة، أن أشغال محطة تحلية مياه البحر الواقعة على بعد حوالي 140 كيلومترا شمال مدينة الداخلة بلغت مرحلة متقدمة جدا من الإنجاز، بعدما وصلت نسبة تقدم الأشغال الشاملة إلى نحو 90 في المائة، في وقت يرتقب أن يتم إنهاء المشروع بشكل كامل في أفق شهر أبريل المقبل كحد أقصى عقب تأخر ملحوظ عن البرنامج المحدد سلفا.
وبحسب المعلومات الحصرية التي توصلت بها “الصحيفة” فإن هذا المشروع الملكي الاستراتيجي يوجد حاليا في مراحله التقنية الأخيرة، حيث تم استكمال الجزء الأكبر من البنيات الأساسية والوحدات الرئيسية، فيما تهم الأشغال المتبقية بعض الجوانب التقنية الدقيقة المرتبطة بالتجهيزات والربط والتجارب النهائية قبل وضع المحطة في الخدمة الفعلية.
وتوضح المعطيات الحصرية نفسها أن التأخر المسجل في تسليم المشروع مقارنة بالموعد الأولي الذي كان محددا في شهر دجنبر الماضي، لا يرتبط بأي تعثرات مالية أو صعوبات تقنية بنيوية، بل يعود بالأساس إلى إكراهات مناخية قاهرة وفي مقدمتها سرعة الرياح القوية وعدم استقرار الأحوال الجوية التي تعرفها المنطقة الساحلية خلال فترات متفرقة، وهو ما فرض توقيف الأشغال في بعض المراحل أو إبطاء وتيرتها حفاظا على سلامة الفرق التقنية والمعدات المستعملة.
وأوضح المصدر ذاته أن التعثر الذي سُجّل لا يعود إلى خلل تقني، بل إلى ظروف طبيعية خارجة عن السيطرة، إذ إن برج المياه (la tour d’eau)، الذي كان من المقرر تثبيته في مياه المحيط الأطلسي على عمق يقارب 600 متر داخل البحر، تعذر غرسه في الآجال المحددة بسبب هيجان البحر وقوة الرياح، وبالتالي اضطر المشرفون على المشروع إلى تعليق هذه العملية الدقيقة مؤقتا، في انتظار استقرار الأحوال الجوية وعودة البحر إلى حالته الطبيعية قبل الشروع في تنفيذ هذه المرحلة الحساسة التي تتطلب شروطا مناخية وبحرية دقيقة لضمان السلامة والنجاعة التقنية.
وتشير المصادر المسؤولة ذاتها إلى أن وتيرة العمل عادت إلى الارتفاع خلال الأسابيع الأخيرة، مع تعبئة متواصلة للموارد البشرية واللوجستية من أجل تدارك التأخر الزمني وضمان احترام الآجال الجديدة المحددة، بالنظر إلى الأهمية الحيوية التي يكتسيها هذا المشروع في تعزيز الأمن المائي وتلبية الحاجيات المتزايدة من الماء الصالح للشرب، خاصة في سياق الإكراهات المناخية وتراجع الموارد التقليدية سيما وأن محطة التحلية المرتقبة تشكل أحد المشاريع البنيوية الكبرى التي تعول عليها السلطات لتعزيز العرض المائي بالأقاليم الجنوبية، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تنويع مصادر التزود بالماء وتقليص الاعتماد على التساقطات المطرية، في ظل التحولات المناخية المتسارعة التي تشهدها البلاد.
ويُعد هذا الورش الذي سبق وكانت “الصحيفة” أول منبر يلجه ميدانيا صيف 2024، واحدا من أضخم المشاريع الاستراتيجية في جهة الداخلة وادي الذهب، بل ومن بين المشاريع الرائدة على الصعيد العالمي، نظرا لاستخدامه الطاقة الريحية كمصدر أساسي لتشغيل وحدة التحلية، وذلك بهدف تزويد المنطقة بالماء الصالح للشرب وسقي 5000 هكتار من الأراضي الزراعية.
ويتضمن مشروع محطة تحلية مياه البحر بالداخلة وحدة لتحلية المياه باستخدام تقنية التناضح العكسي، بقدرة إنتاجية تصل إلى 37 مليون متر مكعب سنويا، منها 7 ملايين متر مكعب مخصصة لتزويد مدينة الداخلة وضواحيها بمياه الشرب. يشمل المشروع أيضا منشآت بحرية تضم مأخذ مياه البحر، قناة لجلب المياه، قناة لتصريف المياه المركزة، أنبوب لإمداد المياه، حوض لتخزين مياه البحر، محطة ضخ مياه البحر، وحوض تجميع المياه المركزة قبل تصريفها في البحر.
ويتكون المشروع الاستراتيجي، من منشآت للتصفية الأولية، ومنشآت للترشيح والتقنية التناضحية العكسية، بالإضافة إلى وحدة لإعادة التمعدن، كما يشمل أيضا خزانات للمياه المحلاة بمقدار 2500 متر مكعب لكل منهما، وصهريجين لمياه الري بسعة 87,000 متر مكعب لكل واحد، هذا فضلا عن محطة توزيع كهربائية فرعية لتوفير الطاقة اللازمة لوحدة التحلية، وحقل لإنتاج الطاقة الريحية بطاقة سنوية تصل إلى 60 ميجاوات، إضافة إلى إنشاء مدار سقوي جديد على مساحة 5000 هكتار.
ووفق المعطيات التفصيلية الرسمية التي تحصّلت عليها “الصحيفة”، من القائمين على هذا الورش فإن نسبة تقدم أشغال محطة التحلية بلغت 78 في المائة، بينما وصلت نسبة إنجاز مزرعة الرياح، التي تعد مصدرا للطاقة النظيفة لدعم المشروع إلى 100 في المائة وقد شرعت في الانتاج، أما ما يتعلق بمنطقة الري التي تغطي المساحة المقدرة بـ5000 هكتار، فقد سجلت تقدما عمليا بنسبة 90 في المائة إلى حدود اليوم الأربعاء، وهي الأرقام التي تؤكد حسبه سير المشروع نحو تحقيق أهدافه الطموحة في خدمة سكان الداخلة وضواحيها، وإرساء نموذج تنموي مستدام في المنطقة، والانتهاء من أشغاله دجنبر المقبل.
وكشف مصدر مسؤول لـ “الصحيفة” أن مشروع محطة تحلية مياه البحر بالداخلة، أن المشروع يسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهدافه المسطرة مسبقا، مؤكدا أن نسبة التقدم الإجمالي في إنجاز المشروع بلغت حوالي 90 في المائة، مما يعكس التزام القائمين عليه بالمشروع الذي يُعد خطوة استراتيجية لتلبية احتياجات المنطقة من المياه الصالحة للشرب، إلى جانب كونه حلا مبتكرا للحد من استنزاف الموارد المائية الجوفية بشكل غير مستدام، خصوصا في القطاع الفلاحي، سيما وأن المحطة ستسهم في تزويد المناطق الزراعية بتقنية ري متطورة تشمل مدارا سقويا جديدا يمتد على مساحة 5000 هكتار، ما يساهم في تعزيز التنمية الفلاحية بالمنطقة” وفق تعبير المسؤول.
وستكون محطة التحلية التي بدأت أشغالها في دجنبر 2022، والمقدرة تكلفتها بحوالي 2.5 مليار درهم، قدرة إنتاج تصل إلى 37 مليون متر مكعب سنويا، منها 7 ملايين متر مكعب سنويا مخصصة لمياه الشرب لإقليم الداخلة والمناطق المحيطة بها، أما مزرعة الرياح، فستبلغ طاقتها حوالي 60 ميغاواط سنويا، وسيكون طول شبكة الري الإجمالية 113 كيلومترا، بمعدل تدفق في البداية يصل إلى متر مكعب في الثانية.
وبدأت أولى إرهاصات التفكير في مشروع محطة تحلية مياه البحر بمدينة الداخلة عام 2013، بعدما سُجّل ضغط متزايد على المياه والمشاكل المرتبطة بندرتها، حينها، كان قد تم تحديث المخطط الرئيسي لإدارة الموارد المائية (PDAIRE) في حوض الصحراء من قبل وكالة الحوض المائي للساقية الحمراء ووادي الذهب قبل ذلك بسنة (عام 2012)، حيث شرعت الدولة في التفكير، حينها، بضرورة إيجاد حل لهذا المُشكل سيما وأن المياه الجوفية العميقة في مدينة الداخلة هي مياه عميقة، وغير متجددة، وهكذا، أوصت دراسة قامت بها وكالة الحوض المائي، بأن يتوقف القطاع الزراعي عن استغلال المياه الجوفية، نظرا لأن مخزونها قد يتعرض لاستنزاف سريع مع التطور الزراعي المُكثف.
وتمتلك الداخلة إمكانات كبيرة في مجال الإنتاج الزراعي، خاصة الخضروات ذات القيمة المضافة العالية التي تُخصص للتصدير، بالإضافة إلى كونها قطاعا واعدا جدا للمنطقة، خاصة من حيث خلق فرص العمل. بمعنى آخر، فإن وقف تطوير الزراعة لم يكن هو الحل الأسهل الذي يمكن القبول به، لذا، قررت وزارة الفلاحية، حينها، الاستمرار في تطوير الزراعة في منطقة الداخلة، ولكن مع استخدام مورد مائي بديل وهو تحلية مياه البحر، ومن هنا جاءت فكرة إنشاء منطقة ري بمساحة 5000 هكتار.
وكان الملك محمد السادس، بمناسبة تخليد الذكرى الخامسة والعشرين لعيد العرش، قد استحضر إسهام هذا المشروع الاستراتيجي المرتقب الانتهاء منه الصيف المقبل في النهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمنطقة مع توجيه الحكومة لاعتماد المحطة على المؤهلات الكبيرة من الطاقات النظيفة التي تتوفر عليها الأقاليم الجنوبية للمملكة، كما حث الحكومة على ضرورة السهر على تسريع وتيرة تنفيذ المشاريع الكبرى الخاصة بتحلية مياه البحر في ظل التحديات التي باتت تجابهها المملكة بسبب توالي سنوات الجفاف.
ويراهن المسؤولون على خلق ديناميكية اقتصادية، حيث يرتقب جذب حوالي 2.5 مليار درهم كاستثمارات في المنطقة في القطاع الزراعي من خلال تأمين المياه الخاصة بالسقي إضافة إلى مياه الشرب، من خلال استخدام مصدر دائم وهو مياه البحر الذي يعد موردا لا ينضب مقارنة بالمياه من مصادر تقليدية، وهذا يعني حسب مدير المحطة، أن هذا المشروع سيمنح ضمانا للمستثمرين الذين سيكونون مطمئنين على ديمومة تزويد مشاريعهم الفلاحية بالمياه المطلوبة للسقي، كما سيسهم في فتح عدة مسارات للتنمية سواء في القطاع السياحي، أو العديد من القطاعات الاقتصادية الأخرى، سيما وأن موقع المحطة يقع على بُعد 130 كيلومترا من مدينة الداخلة، وبالتالي ستساهم المحطة في دفع التنمية في المنطقة نحو شمالها.
