كشف تقرير الدراسة الدولية للتعليم والتعلم لسنة 2024 (TALIS)، الصادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي من خلال اللجنة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، عن معطيات مفصلة حول تصورات الأساتذة المغاربة تجاه تطوير كفاياتهم، مبرزاً اختلالات بنيوية في التكوين الأساس والمستمر، مقابل مؤشرات إيجابية محدودة ترتبط بالممارسة الصفية والشعور بالكفاءة المهنية.
ويؤكد التقرير أن التكوين الأساس يظل إحدى الركائز المحورية للإصلاحات التربوية في المغرب، انسجاماً مع الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 والقانون الإطار 51-17، حيث يُفترض أن يشكل مرحلة إلزامية ومهنية للولوج إلى مهنة التعليم، غير أن المعطيات تكشف استمرار تدني المؤهلات الأكاديمية لهيئة التدريس مقارنة بالمعايير الدولية، إذ لا تتجاوز نسبة الأساتذة الحاصلين على الإجازة في سلك الثانوي الإعدادي 63%، فيما تبقى نسبة الحاصلين على الماستر في حدود 18% فقط، مقابل معدل يبلغ 57% في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ويتجاوز 90% في بعض البلدان.
وتبرز الدراسة أن تحقيق الأهداف البيداغوجية يرتبط بجملة من الممارسات الأساسية، تشمل تقديم المحتويات بوضوح، وتحفيز المتعلمين معرفياً، وتوفير تغذية راجعة بناءة، وإتاحة فرص للتطبيق العملي، وملاءمة التدريس مع حاجات المتعلمين، ومساعدة التلاميذ على تدبير سلوكاتهم، إضافة إلى التحكم في الانضباط داخل الفصل، وهي عناصر تعكس مستوى الشعور بالكفاءة الذاتية لدى المدرسين ومدى إدراكهم لتأثير ممارساتهم على النجاح الدراسي والمناخ الاجتماعي داخل القسم.
وفي ما يتعلق بالتكوين الأساس، يكشف التقرير عن مشهد متباين يتسم بتفاوتات واضحة، حيث يظل المسار النظامي الذي يجمع بين التخصص والبيداغوجيا والممارسة الميدانية النموذج المرجعي، في مقابل مسارات مسرعة أو متخصصة تم اعتمادها لتلبية حاجيات استعجالية، وتشمل 15% من أساتذة الثانوي الإعدادي و19% من أساتذة الابتدائي، مع حضور أكبر لدى الأساتذة ذوي الخبرة وفي القطاع العمومي.
كما يشير إلى أن التكوين القائم حصراً على التخصص الأكاديمي دون إعداد بيداغوجي يشمل نحو 20% من أساتذة الثانوي الإعدادي و10% في التعليم الابتدائي، مع حضور أوضح في القطاع الخاص، إلى جانب نسبة محدودة من الأساتذة الذين لم يستفيدوا من أي تكوين رسمي منظم أو خضعوا لأنماط أخرى من التكوين.
وعلى مستوى تقييم الأساتذة لتكوينهم الأساس، يسجل التقرير مستوى رضا أقل من المتوسط الدولي، إذ يعتبر 66% من أساتذة الثانوي الإعدادي و58% من أساتذة الابتدائي أن تكوينهم كان مرضياً، مقابل نسب أعلى دولياً، مع إبراز نقاط قوة تتعلق بإتقان مضامين المادة الدراسية والقدرة على تدبير سلوك التلاميذ داخل الفصل، في حين يظل التوازن بين الجانب النظري والتطبيقي من أبرز نقاط الضعف، إلى جانب محدودية الزمن المخصص للملاحظة الصفية.
ويظهر التقرير أن أكثر من 70% من الأساتذة المبتدئين في الثانوي الإعدادي يشعرون بأنهم مهيؤون جيداً للتدريس في ما يتعلق بالمضامين والديداكتيك والبيداغوجيا العامة، بينما تسجل نسب أقل في التعليم الابتدائي، كما يظل التدريس في سياقات متعددة الثقافات واللغات أقل حضوراً، حيث لا تتجاوز نسبة الشعور بالاستعداد الجيد في هذا المجال 47%، رغم خصوصية السياق المغربي المتعدد لغوياً وثقافياً.
وفي ما يرتبط بالكفايات الاجتماعية العاطفية، تبدو مستويات الإعداد أكثر تقدماً لدى أساتذة الابتدائي المبتدئين، إذ تبلغ نسبة الذين يشعرون بالكفاءة في هذا المجال 63%، مقابل 56% في الثانوي الإعدادي، وهي مستويات قريبة أو أعلى من المتوسط الدولي، غير أن التقرير يشدد على أن التكوين الأساس، رغم طابعه العملي، لا يوفر دائماً الإعداد الكافي، مما يجعل برامج المواكبة والتأطير ضرورة مهنية.
وتكشف المعطيات أن نسبة الاستفادة من أنظمة المصاحبة تظل محدودة، إذ لا تتجاوز 36% من الأساتذة المبتدئين في الثانوي الإعدادي و42% في الابتدائي بالنسبة للأجهزة الرسمية، مع نسب أقل للدعم غير الرسمي، كما لا يستفيد من نظام المصاحبة بشكل مباشر سوى 13% في الإعدادي و19% في الابتدائي، وهي مستويات أدنى من المعدلات الدولية.
وفي ما يخص التكوين المستمر، يشارك نحو 90% من الأساتذة في نشاط تكويني واحد على الأقل، وهي نسبة تقل عن المتوسط الدولي، وتظل الدورات والندوات وورشات العمل الأكثر انتشاراً، إلى جانب التعلم الذاتي الذي يسجل نسباً مرتفعة، ما يعكس محاولة الأساتذة تعويض النواقص في التكوين الرسمي عبر مبادرات فردية.
غير أن التقرير يسجل تركيز التكوين المستمر على المضامين التقليدية المرتبطة بالمادة الدراسية، مقابل ضعف في مجالات ناشئة مثل الرقمنة والذكاء الاصطناعي والتدريس في سياقات متعددة الثقافات، حيث لا تتجاوز نسبة المستفيدين من التكوين في الأدوات الرقمية 61% في الثانوي الإعدادي و56% في الابتدائي، مع تعبير نحو نصف الأساتذة عن حاجتهم إلى تطوير مهاراتهم في هذا المجال.
أما التكوين في الذكاء الاصطناعي، فيظل محدوداً جداً، إذ لا يشمل سوى 20% من أساتذة الثانوي الإعدادي و17% من أساتذة الابتدائي، مقابل طلب مرتفع يتجاوز 60%، ما يعكس فجوة واضحة في الاستعداد للتحولات الرقمية، كما يسجل ضعف في التكوين المرتبط بالتربية الدامجة والتدريس لفائدة التلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة.
ورغم هذه الاختلالات، يرى 69% من أساتذة الثانوي الإعدادي و73.5% من أساتذة الابتدائي أن التكوين المستمر له أثر إيجابي على ممارساتهم المهنية، مع تسجيل مستويات رضا أعلى لدى الأساتذة المبتدئين مقارنة بذوي الخبرة.
غير أن هذا التقييم الإيجابي يصطدم بعراقيل بنيوية تحد من الولوج إلى التكوين، حيث يشير 74% من أساتذة الثانوي الإعدادي إلى غياب الحوافز، مع نسب مماثلة لنقص الدعم من طرف الإدارة والسلطات التربوية، فيما تسجل في التعليم الابتدائي نسب مرتفعة تصل إلى 75.8% لغياب الحوافز و72% لضعف الدعم، وهي من بين أعلى النسب المسجلة في الدول المشاركة في الدراسة، ما يبرز الحاجة إلى إعادة النظر في شروط الاستفادة من التكوين وتعزيز آليات التحفيز والدعم المؤسساتي.
