



من يعرف أي شيء عن التنوع الثقافي عموماً، ولاسيما الموسيقي للمغرب، لا شك يُدرك إلى أي حد يَصعب جرده وتصنيفه بكل ألوانه وفلسفاته وجذوره… فبالأحرى تجميعه في مكان واحد يتغنى بثراءٍ ثقافي شيِّد قطعة بقطعة على امتداد قرون من الانصهار والعيش المشترك. ذاك على الأقل ما حاولت تحقيقه “دار الجامعي” بمدينة مكناس، التي تحولت من قصر فاخر أواخر القرن 19 إلى متحف طَروب.
من شاهدٍ على بذخ الأعيان إلى حاضنة لأنغام الشعب
تم تشييد دار الجامعي على مقربة من “ساحة الهديم” الشهيرة بمكناس و”باب المنصور لعلج” عام 1882 ميلادية على يد الوزير “محمد بن العربي الجامعي”، الذي عاصر السلطان الحسن الأول (1873 – 1894). واستغرق تشييدها مدة عامين كاملين، لكن وبعد وفاة الحسن الأول صودِرت أملاك آل الجامعي، بما في ذلك الدار، فضمها المدني الكلاوي إلى ممتلكاته.
وفي سنة 1912، مع فرض معاهدة الحماية على المغرب، استُخدِم جزء من الدار كمستشفى عسكري من طرف الفرنسيين، والجزء الآخر كمحكمة عسكرية، قبل أن تتحول في سنة 1916 إلى مقر للفنون الجميلة. أخيراً وفي سنة 1920، وضعت البناية كلها رهن إشارة مفتشية الفنون الجميلة التي قامت بإنشاء النواة الأولى للمتحف القائم إلى اليوم.
تم تصنيف دار الجامعي كمبنى تاريخي بظهير 19 – 11 – 1920 تحت اسم “متحف الفنون الأهلية”، كما تمت إقامة مدرسة لتعليم الطرز المحلي، لكن وبعد الاستقلال، ومنذ سنة 1958 انفصلت الصناعة التقليدية عن البناية التي اقتصرت منذ ذلك الحين على المتحف وحده.
يتكون متحف دار الجامعي، التي ما زالت تحتفظ بشواهد على رفاهية وبذخ معيشة الوزير الأعظم الذي بناها بحديقتها وضخامة أبوابها وغرفها، من قاعات عروض يغلب عليها طابع الموسيقى، لكنها تتعداه إلى فنون وصناعات تقليدية أخرى؛ على غرار غرف الخزف، وغرفة الخشب المطلي والمنحوت، والفناء المركزي الذي يستعرض الأزياء التقليدية والتطريز، ومجموعة تشكيلات من المجوهرات الحضرية والقروية العريقة بالمغرب.
متاهة الألحان والرقصات!
بتذكرة سعرها 30 درهماً يُغادر الزائر عالم الأصوات الصاخبة والعشوائية التي تملأ “ساحة الهديم” المكناسية، إلى فضاء ساحر من الأصوات العذبة الموزونة، حيث كل كلمة وكل تمايل جسدي ودندنة ترقص على إيقاع آلات موسيقية شديدة التنوع، تحاكي فلسفة كامنة لكل نمط موسيقي، وتميزه عن غيره من بني جلدته على امتداد خارطة المغرب.
وكي لا يتوه الزائر في دهاليز الأنغام المغربية المُتشعبة، وزعت إدارة المتحف على جنباته أجهزة لوحية ذكية، عليها خريطة مغربية مُرصعة بنوتات موسيقية تجانب مواقع مُدنِه، يكفي النقر على النوتة لينتقل المستخدم إلى صفحة تستعرض قائمة بالأنماط الموسيقية التي تزخر بها تلك المدينة أو المنطقة، مع إمكانية النقر مجدداً على إحداها للوصول إلى مقطع من ذلك الفن، ونبذة مقتضبة عنه، تسهل التوجه إلى رواقه في المتحف للمهتمين.
وتبدأ الجولة.. في كل رواق على حدة، لا يكتفي الزائر بالإنصات للأهازيج والأنغام والألحان، بل ينغمس في تجربة غامرة تأخذ بيديه إلى التفاصيل العميقة لذلك الفن، برقصاته الموازية، وأثوابه الفريدة من نوعها، وفضاءات أدائه المتنوعة تنوع الثقافات المُنتجة ومجالاتها الجغرافية.
ففي جناح مخصص للـ”موسيقى الروحانية” مثلاً، تتجاور الآلات الموسيقية والثياب الخاصة بالطوائف الصوفية الشهيرة؛ “كناوة” و”حمادشة” و”جيلالة” و”عيساوة”… ضمن قاعة تتوسطها شاشة كبيرة تعرض حفلات موسيقية من هذا الفن أو ذاك، مع عرض أشرطة وثائقية تغوص في أعماقها وجذورها التاريخية والتراثية والإثنية، مع توفير مجلس يُحاكي طريقة جلوس الجمهور أثناء ما يُعرف بالـ”حضرة”، حيث جرت العادة أن تُعزف هذه الأنماط الموسيقية منذ قرون بالمغرب.
وعلى مستوى جناح آخر ذي مُقاربة “ترابية”، يتم على نفس الشاكلة عرض الأنماط الموسيقية الشعبية؛ حيث يتعرف الزائر على “الهيت”، ذلك النوع من الموسيقى الشعبية القديمة المعروفة عند قبائل منطقة تازة، والذي يمتد أيضًا إلى بعض قبائل تاونات، وخاصة الحياينة بفعل الصلات التاريخية المتجذرة مع قبائل غياثة الغرب والتسول.
كما يلقي نظرة على الأدوات الموسيقية الرئيسية المستعملة فيها كالغيطة، البندير، الطبل والمقص. ويعاين مقطعاً يعرض “الدقة” ومراحلها الثلاث: “العيط” بإيقاع بطيء، والمرحلة الوسطى بإيقاع مربع ومستمر، ثم أخيراً المرحلة السريعة المسماة “أفوس” (اليد) التي تجمع قوة الإيقاع بصوت النفار.
إلى جانب “الهيت”، يمكن معاينة رواق خاص بـ”الركادة”، تلك الرقصة التقليدية التي ظهرت بمنطقة الريف وتنحدر أصولها من قبيلة “بني يزناسن”، بمنطقة بركان الواقعة شمال المغرب، والتي تعد فناً ناتجاً عن رقصة موروثة عن الأجداد المحاربين، ومستوحاة في الأصل من التقاليد الحربية.
أثناء هذه الرقصة يرتدي المشاركون البدلة المسماة “العباية” ويحملون البنادق وقرون البارود، و يمارسون رقصتهم بتحريك الكتف مع ضرب الأقدام على الأرض.
“صناعة الموسيقى”.. تراث مهدد بالاندثار
في الجناح المقابل، الذي يحتفي بالصناعة التقليدية المغربية في المجال الموسيقي، كتب على لوحة توجيهية إن “صناعة الآلات الموسيقية من الصناعات القديمة، حيث قام الإنسان القديم بتحويل بعض المواد إلى آلات موسيقية، فاستعمل العظام كصافرات بعد ثقبها، واستغل جذوع الأشجار في صناعة الطبول، هذا ومن الممكن إطلاق كلمة آلة موسيقية على أي أداة يمكن أن يتحكم فيها العازف بشكل من الأشكال”.
وتضيف اللوحة ذاتها أن صناعة الآلات الموسيقية من الحرف المهددة بالزوال، في بعض الدول، و بالخصوص تلك المصنوعة من الخشب مثل العود. و”قد اكتشف علماء الآثار ما يثبت أن العود كان موجودا منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، غير أن شكله كان مختلفا عن شكله الحالي، وكان له وتر (حبل) واحد فقط”.
يحمل هذا الجناح على عاتقه مهمة نبيلة تتجلى في إنقاذ هذه الصناعة التقليدية وذاكرتها من الفناء، لا سيما في وجه التطور الكبير الذي عرفته صناعة الموسيقى عالمياً، وأمام “عولمة” لم تترك للثقافات المحلية، الشفهية والبسيطة، من خيار سوى الانحناء أمام عاصفة ثقافية غربية جارفة.
Source link
