المغرب نيوز

دلالات الخطابات السياسية المعاصرة.. قراءة في مسار الانزلاق الدلالي لخطاب اليقظانية 

دلالات الخطابات السياسية المعاصرة.. قراءة في مسار الانزلاق الدلالي لخطاب اليقظانية 


في الفضاء العمومي المعاصر، لم يعد الصراع مقتصراً على الميدان السياسي أو الاجتماعي فحسب، بل تحوّل في عمقه إلى نزاع سيميائي حول من يملك صلاحية إنتاج المعنى وتحديد دلالاته. فالقوة لم تعد تُقاس فقط بالهيمنة على المؤسسات أو الموارد، بل أيضاً بالقدرة على إعادة تعريف الكلمات وتأطير المفاهيم بما يوجّه الوعي الجماعي ويضبط الرأي العام.

ومن هنا، يصبح تحوير الخطاب أداة مركزية للهيمنة الرمزية، إذ أضحى من يملك مهارة تفريغ المصطلحات من مضامينها الأصلية وشحنها بدلالات جديدة يملك في الوقت نفسه سلطة التأثير في اتجاهات النقاش العمومي.

وفي هذا السياق، يشكّل الخطاب السياسي الغربي مثالاً بارزاً، حيث جرى تحويل لغة الاحتجاج التي حملتها حركة “اليقظانية”  (Wokisme) إلى خطاب مفرغ من محتواه النقدي، بعدما أعاد ما يُعرف بالتيار “السيادي”  (Souverainistes) توظيفها في خدمة أجندات مغايرة، عبر تصويرها كتهديد للنظام الاجتماعي ومنظومة القيم بدل كونها أداة للمطالبة بالعدالة والمساواة.

ولتحليل تطور هذه الظاهرة الخطابية، سيتم استعمال بعض الأدوات والآليات السيميائية الحديثة ضمن إطار تحليلي ثلاثي الأبعاد، يربط أولاً بين الجوهر باعتباره صراعاً حول العدالة والهوية والتقدّم، والمشهد بوصفه الفضاء الذي يتجلى فيه هذا النزاع الثقافي والحضاري، وأخيراً، الشكل كمجموعة من الأدوات الخطابية أبرزها التحوير الدلالي وصناعة مفاهيم رمزية مستحدثة.  

فبعيداً عن المفاهيم الكلاسيكية، لا تؤدي اللغة هنا، على اختلاف دوالها، وظيفة التواصل فحسب، بل تتحوّل إلى مجال لممارسة سلطة رمزية متخفية، تتجلى في آلية يمكن تسميتها ب “المصفاة الرمزية”. وباستخدام هذه الآلية، يَعْمَدُ النظام المهيمن إلى ممارسة عملية “الاختطاف السيميائي” قبل إعادة تشكيل الدوال المقلقة بما يخدم مصالحه.

ويكمن دور هذه المصفاة أولاً في تفكيك دوال الخطاب الناقد ثم تفريغها من شحنتها، حتى تغدو دلالات السردية أو المعنى الاعتباطي المرتبط بها جزءاً من بنية النظام نفسه. وبذلك ينقلب المدلول من أداة مقاومة إلى وسيلة للتطبيع، فتُفرغ الثورة اللغوية من مضمونها التحرري وتُحشَى بدلالات سلبية تُستَعمل في اتجاه معاكس.

يبرز هذا التحوّل بوضوح من خلال مسار مصطلح اليقظانية. فبعد أن تبلور كرمز للوعي النقدي إزاء الظلم والتمييز في السياسات والمجتمع بالولايات المتحدة الأمريكية، خضع سريعاً لآلية تصفية رمزية قادتها التيارات المحافظة ثم اليمينية المتطرفة. وهكذا أُفرغ من مضمونه التحرري وأُلصقت به معانٍ سلبية مثل “الفوضى” و”الخطر على الهوية” و”الماركسية الثقافية”. وبات “المتيقّظ لا يُنظر إليه باعتباره إنساناً واعياً بالحيف، بل متهماً بالتطرف وزعزعة النظام الاجتماعي القائم.

 ومع صعود التيارات الشعبوية في الغرب، انتقل الخطاب السياسي من مجرد توصيف نقدي لحركة “اليقظانية” إلى تجسيد “كبش فداء” يحمل وزر كل ما يتعارض مع الرؤية المحافظة (من العولمة إلى التعددية الثقافية، مروراً بالحداثة والدفاع عن حقوق الأقليات.) ولم يعد الأمر يقتصر على منازعة الأفكار أو جدلٍ نظري، بل أصبح وجود هذا “العدو الداخلي” شرطاً ضرورياً لتغذية الأجندة القومية والثقافية لليمين بكل أطيافه؛ وهكذا، تحوّل الصراع من خلاف حول التأويلات الفكرية إلى معركة أشمل وأخطر، تتعلق بأحقية تعريف الواقع ذاته وفرض حدوده الرمزية على المجال العمومي.

وإذا كان هذا التحوير قد وسم المشهد الغربي، فإن صداه لم يتأخر في بلوغ المغرب، مما يثير تساؤلات حول مدى تأثير هذه الظاهرة على المملكة التي تنتمي للقرية العالمية حسب التعريف الحالي للعالم. ثم ما هي سبل صمود المغرب أمام انتشار تقنيات وسائل الإعلام والتواصل وما يتدفق عن طريقها من معلومات وثقافات وتيارات سياسية وخاصة المفاهيم الإيديولوجية الحديثة؟

 في الولايات المتحدة، وهي موطن ولادة حركة اليقظانية، لم يقتصر الصراع على مستوى الخطاب، إذ اكتسى طابعاً تشريعياً ومؤسساتياً. ففي ولاية فلوريدا صدر سنة 2022 قانون “وقف اليقظانية” (Stop WOKE Act)، الذي قيّد حرية التعليم والتكوين في قضايا العرق و”الجندر”، قبل أن توقفه المحاكم الفدرالية لمخالفته الدستور. وفي ولاية ألاباما، فُرض قانون جديد يحد من برامج التنوع والعدالة في الجامعات العمومية، بينما أُجبرت شركات كبرى تحت ضغط الحملات السياسية على مراجعة سياساتها المتعلقة بالمساواة. كل هذه التطورات تكشف كيف تحوّل مفهوم اليقظانية من جدل لغوي إلى محور تشريعي ومؤسساتي يترجم “حرب الرموز” إلى سياسات ملموسة تُغذي صراعات داخل هيئات الدولة نفسها.

ومن ناحية أخرى، أثارت حادثة اغتيال الناشط السياسي الجمهوري شارلي كيرك في 10 سبتمبر 2025 جدلاً واسعاً، وردود فعل متباينة في المشهد السياسي الأمريكي، بين إدانة جماعية وتحذير من خطر تحول الخطاب السياسي العنيف إلى سلاح ينشر الرعب ويعزز الانقسامات.

وتُبرز هذه الواقعة كيف تستخدم السلطة في عصر العولمة الأحداث العنيفة ليس فقط كوقائع مأساوية، بل كرموز دالة تُذكّر الجماهير بالعدو المفترض، وتبرر إجراءات أمنية وقانونية مشددة تجاه الخطابات المعارضة. وقد استغل الرئيس دونالد ترامب هذا الحدث خلال كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه السنة للدفاع عن سياسته، حيث غدا القتيل يعتبر أول شهيد لمناهضة اليقظانية.

على غرار ما طرأ من تحوير لخطاب اليقظانية الذي بلغ مستوى التشريع في الولايات المتحدة، فإن أوروبا بدورها لم تَسلم من تمثل الحركة في صيغة تهديد للهوية والسيادة، إذ لم تعد اليقظانية مجرد ظاهرة وافدة من أمريكا، بل صارت تُصوَّر كغزو أيديولوجي يهدّد الهويات الوطنية للقارة العجوز. وقد جعلتها تيارات اليمين المتطرف وسردياتها السيادية محوراً تعبويّاً لتهييج المشاعر وحشد الجماهير.

ففي فرنسا، ربط بعض الزعماء مثل إيريك زمور وماريون مارشال اليقظانية بالاعتداء على الهوية الفرنسية وموروثها الحضاري، بينما رفعت حكومة جورجيا ميلوني في إيطاليا شعار حماية “القيم التقليدية” من “الانحراف اليقظاني”. أما في إسبانيا، فقد وظّف حزب فوكس المصطلح أداةً خطابية ضد التعددية الثقافية أوما يسميه “إيديولوجية التفكيك”.

وعلى هذا النحو، يبدو أن “السيميائيات السيادية” اتخذت بُعْدًا جديداً : إذ لا يتعلق الأمر هنا بالسيادة الاقتصادية أو السياسية فقط، بل تلك المتعلقة بالبعد الرمزي والثقافي والهوياتي، حيث يُقزَّم مفهوم “اليقظانية” ليصبح فزّاعة رمزية لتعبئة جماهيرية ضد ما يُعدّ كخصوصية وطنية والتي من الواجب الدفاع عنها.

 وإذا كان هذا الاستقطاب قد طبع النقاشات في الولايات المتحدة وأوروبا، فإن صداه لم يتأخر في الوصول إلى المغرب. فمن الطبيعي ألا يُفصل هذا المشهد السيميائي الأوروبي عن تأثيره المباشر في الفضاء العمومي للمجتمعات المجاورة، وفي مقدمتها المغرب، بحكم القرب الجغرافي والتداخل الجيو-ثقافي والتاريخي.

وهكذا، يصبح المجال العمومي المغربي عرضةً لتسرّب هذه الثنائيات المستوردة، بما تحمله من مخاطر مضاعفة : فمن جهة، يُمكن لخطاب “اليقظانية” أن يُستغل لتأجيج حساسيات وهويات متعارضة بين المجموعات الإثنية، ومن جهة أخرى قد يتحول الخطاب المضاد إلى أداة لإعاقة النقاش الإصلاحي الوطني وإفراغه من محتواه، خصوصا فيما يخص تنزيل مشروع الدولة الاجتماعية. وبذلك، يغدو الاستقطاب السيميائي خطراً مزدوجاً يهدد إمكانات بناء نقاش عمومي رشيد يواكب التحولات والإصلاحات التي يشهدها المغرب حاليا.

يكمن الخطر في استيراد خطاب اليقظانية بصيغته الغربية الأكثر أيديولوجية، وتطبيقه بشكل جاهز على واقع مغربي له خصوصياته التاريخية والاجتماعية والدينية. إن تبني بعض النخب لأجندات ولمصطلحات لا تعكس الأولويات الحقيقية للمجتمع (مثل الانشغال بقضايا الجندرة المستوردة بدلاً من التركيز على إصلاح مدونة الأسرة أو قوانين الإرث، أو حتى ضبط مفهوم حرية التعبير بحدود احترام الخصوصيات والمقدسات)، قد يخلق قطيعة بين الخطاب الحداثي وقاعدته الاجتماعية المتمسكة بهويتها. وهذا الانفصام يُسهّل، من جهة ثانية، على التيارات المحافظة المتشددة مهمة تشويه المطالب الإصلاحية، وتصويرها كغزو ثقافي دخيل على هوية الأمة.  

يتمثّل الخطر أيضا في استعارة الخطاب المناهض لليقظانية من قبل القِوَى المحافظة والرجعية في المغرب، وتحويله، بعد إفراغه من مفهومه الأصلي، إلى سلاح فعال لإجهاض أي نقاش مجتمعي يصب في ترقية المواطنة. فمع صعود اليمين المتطرف في أوروبا، أصبح من السهل استلهام أدواته الخطابية التي تتقاطع مع الخطاب الرجعي بالمغرب، خاصة في كل ما يتعلق بالآخر والحريات.

وهكذا يمكن لأي دعوة لتوسيع الحريات الفردية، أو تعزيز المساواة بين الجنسين، أو الاعتراف بالتعددية الثقافية واللغوية، أو حتى مراجعة نقدية للتاريخ، أن تُوصم بسهولة بأنها “يقظانية” محفوفة بالخطر يهدد المجتمع واستقراره. وبذلك يصبح هذا الخطاب أداة ترهيب جاهزة لإغلاق باب النقاش وتخوين المطالب الإصلاحية وتصويرها كهجوم على “التقاليد” و”المعتقد” و”القيم الأصيلة”. وبالتالي، أصبحت المصفاة السيميائية تُوفِّر أداة قوية لتعطيل الديناميكية الإصلاحية التي يعرفها المغرب خلال العقود الأخيرة.

فالخطر الحقيقي إذن ليس في انتصار أحد الخطابين المتناقضين، بل في هيمنة منطق الاستقطاب الثنائي نفسه. فهذا المنطق يهدد “النموذج المغربي” القائم تاريخياً على التوفيق والبحث عن طريق ثالث يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين التسامح والتعددية. إن استيراد هذه “الصراعات الثقافية” الغربية من شأنه أن يقضي على فضاء النقاش الهادئ، ويجعل من المستحيل بناء التوافقات الضرورية لأي مشروع مجتمعي مستقبلي.

يمكن القول أن العَلاقة بين خطاب اليقظانية ونقيضه “اللايقظانية” لم تعد علاقة مواجهة فحسب، بل أصبحت تكاملية؛ فاليمين بحاجة إلى “اليقظانية” كعدو ثابت ليبرّر مشروعه القومي، تماماً كما يحتاج الجهاز المناعي إلى فيروس ليثبت فعاليته. وفي المقابل، نجح مناهضو اليقظانية في تحويل خطابهم إلى أداة دعائية فعّالة داخل السرديات الشعبوية والسيادية، حيث يُستخدم لتأطير كل ما هو تقدّمي باعتباره “انحرافاً أيديولوجياً” أو “خيانة ثقافية”.

ويكشف التحليل السيميائي أنّ هذا الخطاب لا يكتفي بانتقاد اليقظانية، بل يسعى إلى تحويلها إلى عدو داخلي ضروري لتغذية الشعبوية، وتكريس الثنائية “المانوية” بين “شعب أصيل” و”نخب فاسدة”، في صراع لم يعد حول الأفكار، بل حول من يملك سلطة تعريف الواقع، وهذا في حد ذاته يعتبر مكراً ذكياً وإستراتيجية فعّالة.

يكشف تحليل المشهد السيميائي العالمي أنّ نجاح السلطة لا يقوم على قوتها المادية أو التشريعية فحسب، بل على قدرتها الخفيّة على تفكيك لغة الاحتجاج وإعادة تركيبها بما يخدم استمرارية النظام القائم. وهكذا تتحوّل الشعارات التحررية إلى أدوات تشويه وتبرير للأجندات الشعبوية وتارة حتى الاستبدادية منها.

إن مواجهة هذا التحوير الدلالي تستلزم وعياً جماعياً بالمخاطر، وقدرةً نقدية على تفكيك الخطابات، وإرادةً سياسية وثقافية لبناء ساحة نقاش عمومي منفتح، تكون فيه الكلمة أداة للتحرير، لا وسيلة للهيمنة والتطرف. وعليه، فإنّ جوهر المقاومة اليوم لا يقتصر على استعادة الكلمات إلى حقلها الدلالي الأصلي، بل يتمثّل في كشف واستعمال آليّاتالمصفاة الرمزيةكأداة للتوعية والفهم.

وبما أن الصراع ليس لفظياً فحسب، بل هو صراع على حقتسميةالأشياء، وعلى شرعية تعريف الواقع، ومَنْ يحقُّ له تقرير طبيعته، فمن المنطقي أن القاعدة السائدة تستعمل نفس الأدوات للممانعة، وبذلك تصبح المصفاة السيميائية سلاحاً ضد خطابات التطرف و الكراهية و التمييز.

أما التحدي الأكبر أمام المجتمعات المعاصرة، ومنها المغرب، فيتجلّى في بناء مشروع ثقافي بديل يربط القول بالفعل، ويبتكر خطاباً نقديّاً قادراً على مواجهة محاولات التحييد والانقلاب الدلالي المستهدف. ولا يقتصر هذا الاستهداف على المصطلحات الوافدة، بل يمتد أحيانًا لمحاولة تفكيك مقومات الهوية المحلية ذاتها، ولنا خير مثال على ذلك، الهجمات الدلالية التي تستهدف في الآونة الأخيرة “التمغربيت”، أي الهوية المغربية بحمولتها الثقافية والرمزية والعقائدية.

 ومن بين مفاتيح نجاح هذا المشروع الثقافي، يأتي الاستناد إلى الجذور والقيم الأصيلة للثقافة المغربية، دون أن ينغلق البلد على نفسه، حيث يظل منفتحاً على الحداثة والقيم الكونية لكي لا يقع في فخ الاستيراد الأعمى ولا في الانكفاء الهويّاتي.

ففي عصر أضحت تُبنى فيه الهيمنة بالرموز قبل السلاح أو الاقتصاد، يصبح الرهان الجوهري هو قدرة الناس على تلقّي وإنتاج خطاب تحرري أصيل يرتكز على خصوصيات المغرب، لا خطاباً مُثقَلاً بالدوال المستوردة والمبطنة. كما يتعين تحويل الساحة العمومية إلى ورشة دائمة لإنتاج المعنى، بدلاً من تركها حيزاً لإعادة إنتاج خطابات منقولة من مسارح سيميائية أجنبية.

وعليه، يمكن تلخيص الإطار النظري لهذا التحليل في ما يتعلق بالمصفاة السيميائية في محاولة الكشف عن آلية خفية يتقاطع فيها الجوهر بوصفه صراعاً حول العدالة والهوية والتقدّم، مع المشهد السيميائي كساحة تتوزع بين العالم، ومع الشكل كترسانة من الأدوات الخطابية من قبيل التحوير الدلالي وصناعة الرموز. وهكذا يتبيّن أنّ الصراع حول المعنى ليس مجرد جدل لغوي، بل هو استراتيجية للهيمنة وإعادة تشكيل الوعي الجماعي.

 وختاماً، فإن مقاومة هذا التحوير السيميائي تتطلّب وعياً جماعيّاً بالمخاطر المتربصة، وقدرةً على تفكيك الخطابات، ورغبة سياسيّة وثقافيّة لبناء فضاء عمومي تعدُّدي، تكون فيه الكلمة أداة للتحرير واكتساب المعرفة والوعي، لا أداة للهيمنة والأدلجة وإنتاج خطابات التطرف والكراهية ورفض الآخر.

الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة



Source link

Exit mobile version