المغرب نيوز

دورية الانتخابات.. تقليد مؤسساتي يختبر نضج الأحزاب

دورية الانتخابات.. تقليد مؤسساتي يختبر نضج الأحزاب


بعد المصادقة على المرسوم المتعلق بتحديد يوم انتخاب أعضاء مجلس النواب في 23 شتنبر 2025، وتحديد فترة الحملة الانتخابية، يتأكد بأن دورية الانتخابات في المغرب ليست معطى ثانويا أو إجراء على سبيل تأثيث المشهد السياسي، بل إنها أحد أبرز المؤشرات الدالة على تمسك الدولة بالمسار الديمقراطي وترسيخ قواعده المؤسساتية.

فعلى الرغم من الإكراهات المتعددة التي يواجهها البلد، سواء تلك المرتبطة بالتحديات الطبيعية مثل الفيضانات والكوارث المناخية، أو المرتبطة بالملفات السياسية الكبرى وعلى رأسها ورش الحكم الذاتي وتطوراته، يواصل المغرب الحفاظ على انتظام مواعيده الانتخابية باعتبارها ركناً أساسياً في البناء الديمقراطي وتداول المسؤولية داخل المؤسسات المنتخبة.

لم يأت ذلك من فراغ، إذ أن التوجيهات الواضحة الصادرة عن الملك أكدت على ضرورة احترام المسار المؤسساتي وضمان استمراريته، بما يعكس حرص المؤسسة الملكية على صون الاختيار الديمقراطي باعتباره خياراً استراتيجياً للدولة. وتجلى ذلك في التوجيه المتعلق بالانتهاء من إعداد منظومة القوانين الانتخابية في الوقت المحدد.

ولعل هذا ما تمت ترجمته في مسارعة وزارة الداخلية إلى إعداد ترسانة قانونية مؤطرة للعملية الانتخابية في آجالها المحددة، وبمقاربة تشاركية حظيت بتوافق واسع بين مختلف الفاعلين السياسيين، دون أن تثير طعوناً أو اعتراضات جوهرية.

ويكتسي هذا التوافق أهمية خاصة بالنظر إلى أن القوانين الانتخابية تمثل الإطار الناظم للتنافس السياسي، وكلما كانت هذه القواعد محل اتفاق واسع بين الفاعلين، كلما أسهم ذلك في تعزيز الثقة في العملية الانتخابية وفي نتائجها.

وسيكون المغاربة على موعد مع انتخابات مختلفة، خاصة وأن القوانين الانتخابية عملت على تشديد المقتضيات التي تقطع الطريق على حضور الفاسدين والمشتبه فيهم داخل البرلمان، إلى جانب التنصيص على قواعد تجرم التلاعب بإرادة الناخبين، مع الحرص على توفير مناخ رقمي مواكب للعملية يكفل حرية التعبير عن الرأي دون استغلالها لممارسة التضليل والتلاعب بالرأي العام، وهو ما يبزر حجم النضج التشريعي الذي يرافق الاستحقاقات.

ويندرج تأكيد موعد الانتخابات المقبلة في سياق الحفاظ على التقليد المؤسساتي الذي يميز التجربة المغربية، والمرتبط بدورية الانتخابات، ويبعث برسائل متعددة، إذ يعزز ثقة المواطنين في استمرارية المؤسسات وفي قدرة النظام السياسي على تدبير التحديات في إطار الاستقرار، كما يقدم صورة خارجية عن بلد استطاع أن يحافظ على توازن دقيق بين الإصلاح والاستقرار، وأن يواصل بناء مؤسساته الديمقراطية رغم التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.

كل هذه المعطيات تؤكد أن الكرة اليوم باتت في ملعب الأحزاب السياسية التي عليها أن تستثمر الثقة وتعززها من خلال برامج انتخابية ناضجة، لا تقوم على منطق “بيع الكلام”، ومن خلال تزكية الكفاءات وتوسيع عملية الاستقطاب لتطعيم المشهد السياسي وإعطاء الكلمة للشباب والنساء للمساهمة في تجويد الحياة السياسية، بدل الإبقاء على نفس الوجوه.

الأحزاب المغربية مطالبة اليوم بأن تتمثل النضج التشريعي الذي رافق إعداد القوانين الانتخابية وتجعله ضمن المسلمات التي تنبني عليها أنظمتها الداخلية وتوجهاتها السياسية، وأن تجعل من تخليق الحياة الحزبية ورشا لا يتوقف، وذلك من أجل مواكبة جهود الدولة والإسهام في إعادة الثقة وتثمين الجبهة الداخلية.

من المؤكد أن الاستحقاقات المقبلة لن تكون مجرد محطة انتخابية عادية، بل اختباراً حقيقياً لمدى نضج الفاعلين السياسيين وقدرتهم على مواكبة التحولات التي يعيشها المغرب. فإما أن تتحول الانتخابات إلى فرصة لتجديد الثقة في المؤسسات وإعطاء نفس جديد للحياة السياسية، وإما أن تضيع مرة أخرى بين الحسابات الضيقة وإعادة إنتاج نفس الممارسات التي أضعفت الثقة في العمل الحزبي.



Source link

Exit mobile version