ذاكرة بوعبيد (2).. عودة محمد الخامس وولادة ملكية شعبية “خارج الطقوس”

adminمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
ذاكرة بوعبيد (2).. عودة محمد الخامس وولادة ملكية شعبية “خارج الطقوس”


تكفي قراءة شهادة القيادي في الحركة الوطنية، عبد الرحيم بوعبيد، عن أجواء نهار عودة الملك الراحل محمد الخامس من المنفى، في 16 نونبر 1955، لاستيعاب حجم الفرح والاحتفاء الشعبي الذي ميَّز ذلك اليوم، واستحضار مشاعر انتصار الصمود المغربي طيلة 27 شهراً من نفي السلطان محمد بن يوسف إلى جزيرة كورسيكا جنوب فرنسا ثم إلى مدغشقر. فقد عبّر الزعيم الوطني (بوعبيد)، بدقة وعمق، عن رمزية تلك اللحظة التاريخية قائلاً: “في ذلك اليوم، 16 نونبر، الذي سيظل يوماً فريداً في تاريخ البلاد. كان محمد الخامس الملك الوحيد الذي نُصب وقدس بالاقتراع الشعبي المباشر، فتمت تنحية الطقوس والتقاليد، بخياناتها، فتحقق نظام جديد، نعم، نظام الملكية الشعبية”.

تكتسي لحظة عودة الملك الراحل، محمد الخامس، من المنفى، قبيل نهاية عمر معاهدة فاس التي أقرت نظام الحماية الفرنسية على المغرب لما يقرب من 5 عقود (44 سنة)، أهميةً قصوى في التاريخ السياسي للمغرب. فهي لا تمثلم محطة تاريخية عابرة فقط، بقدر ما تُعد إحدى الحقب الجوهرية في مسار استعادة المغاربة للسيادة الوطنية والشروع في بناء الدولة المغربية الحديثة.

وخص الوجه البارز في الحركة الوطنية، المرحوم عبد الرحيم بوعبيد، هذه اللحظة بمجهود توثيقي كبير لتأريخ تفاصيل اللقاءات التي أعقبت مؤتمر “إيكس ليبان” في غشت 1955، والمفاوضات بين الفرنسيين والوطنيين أياما قبل عودة الملك المنفي، محمد الخامس، إلى المغرب للإعلان عن انتهاء عهد معاهدة الحماية الموقعة سنة 1912.

وبعدما تناولت الحلقة الأولى من السلسلة الرمضانية “ذاكرة بوعبيد” تفاصيل انعقاد مؤتمر “إيكس ليبان” كما روتها شهادة قائد الحركة الوطنية في مؤلف “شهادات وتأملات”، باعتباره مرحلة تاريخية مفصلية في مسار التفاوض السياسي مع الإدارة الفرنسية لإنهاء عهد الحماية وعودة السلطان المنفي. نخصص ثاني حلقات هذه السلسة الرمضانية لقراءة ما أرخته ذاكرة عبد الرحيم بوعبيد عن هذه “العودة المظفرة”، كما أحبَّ أن يسميها.

ترتيبات ما قبل عودة السلطان لعرشه

يحكي بوعبيد عن تلك اللحظة المفصلية التي سبقت عودة محمد الخامس إلى عرشه، أنه تم الاتفاق مع رئيس الحكومة الفرنسية، إدغار فور، على أن تتم العودة يوم 6 نونبر 1955، في سياق سياسي جديد كلياً. فقد كانت هذه العودة، في نظر الحكومة الفرنسية والرأي العام الدولي، وفق تحليل زعيم حزب الاستقلال منتصف الخمسينيات، اعترافاً صريحاً بأن الملك وحده يجسد الشرعية، وأن كل ما عدا ذلك، من تنصيب ابن عرفة أو التفكير في مجلس للعرش، لم يكن سوى حوادث عابرة في مسار العلاقات المغربية-الفرنسية. وهكذا، عادت الأمور إلى مجراها الطبيعي باستعاد الملك وظائفه بعد قرابة ثلاثة وعشرين شهراً من المنفى والعزلة، منذ 20 غشت 1953.

وأما في نظر شعب موحد وثائر، عاش معه بوعبيد مراحل النضال من أجل الاستقلال بصيغتها المسلحة والسياسية التفاوضية، تؤكد شهادة المفاوض الوطني أنه بالنسبة له (الشعب) فإنه لم يكن هناك، في أي لحظة، فراغ في العرش، كما أن كل الحلول المؤقتة أو الانتقالية، من قبيل مجلس العرش في انتظار ما سُمي بنضج الأذهان لتقبل “الرجل الثالث”، بدت أمام حقائق الواقع حلولاً متجاوزة ومتقادمة.

وأثناء سرده للمواقف والأحداث الأخيرة في عمر عهد الحماية الفرنسية على المغرب، ينتقل الزعيم الوطني، بحكم اطلاعه على خبايا تلك المرحلة التاريخية ومتتبعاً دقيقاً لتفاصيلها، إلى الحديث عن موقف باشا مراكش (الباشا الكلاوي)، قائلاً إنه “شد الرحال إلى سان جيرمان لتقديم الولاء وإعلان التوبة علناً، أمام الصحافة الفرنسية والدولية”.

تُعلِّق شهادة الوجه البارز في جيل المقاومة السياسية ضد المستعمر الفرنسي على موقف باشا مراكش على أنها “توبة” جردت المتشددين المدافعين عن بقاء معاهدة الحماية من آخر أسلحتهم. ويواصل بوعبيد قائلاً إنه بغض النظر عن دوافع الكلاوي، فإن التنكر العلني الذي تلقته، آنذاك، مجموعة الحضور الفرنسي في المغرب، وخاصة آخر مقيم عام، الجنرال بوايي دو لاتور، شكل معطى سياسياً دحض كل الأطروحات التي تحدثت عن “مغرب واقعي” أولويته البوادي والقواد الفيوداليون.

وفي قراءة ما وراء الحدث، تستعيد ذاكرة الزعيم السياسي عبد الرحيم بوعبيد ردود الفعل على هذه المستجدات، التي لم تكن، حسبه، سوى مرارة وحقد، عبّر عنهما الماريشال “جوان” وغيره من دعاة السيادة المشتركة بالمغرب. أما الجنرال بوايي دو لاتور، فيحكي السياسي عينه، أنه لم يحتمل انهيار آخر أحلامه، فغادر المغرب متسللاً.

اتفاقية “لاسيل سان كلو”

في هذا السياق بالذات، يشير بوعبيد إلى البيان الفرنسي-المغربي الصادر يوم 6 نونبر 1955، الذي سردت شهادة السياسي ذاته جزءاً من تفاصيله، معتبراً أنه حسم الأمر بخصوص معاهدة الحماية الموقعة في 30 مارس 1912.

تؤكد شهادة بوعبيد أن بيان “لاسيل سان كلو” ألغى بشكل صريح معاهدة الحماية، والتزمت بموجبه  الحكومة الفرنسية، ممثلة بوزير خارجيتها “أنطوان بيناي”، بفتح مفاوضات ترمي إلى جعل المغرب دولة مستقلة، تربطها بفرنسا علاقات دائمة قوامها الترابط المتبادل الحر، بعيدا عن قيود معاهدة فاس (الحماية).

وبذلك، يواصل بوعبيد أنه تم التخلي رسمياً وعلنياً عن الطابع النهائي للعلاقات التي فرضتها معاهدة 1912، والتي دافعت عنها حكومات الجمهورية الرابعة، باستثناء الجنرال شارل ديغول، كما شهد بذلك في مذكراته. لقد كان هذا البيان، في جوهره، عقد إلغاء للحماية، وبه عاد محمد الخامس ملكاً حراً متحرراً من كل تبعية أو وصاية، يؤكد تحليل زعيم الحركة الوطنية لمضمون بيان “لاسيل سان كلو” في علاقة بقضية جلاء الحماية عن المغرب.

ويضيف بوعبيد أن الحكومة المغربية التي ستتشكل بعد العودة لم تكن سوى حكومة للتدبير، هدفها الأساسي التفاوض مع الحكومة الفرنسية من أجل إرساء معاهدة جديدة تكرس السيادة الكاملة للدولة المغربية.

أما مجلس العرش، الذي نُصب يوم 17 أكتوبر 1955 بالرباط، فقد وُلد ميتاً، حسب رواية أبرز أعمدة الحركة الوطنية (بوعبيد)، مشيراً إلى أن حزب الاستقلال رفضه منذ البداية، ولم يعمّر طويلاً، إذ قدم أعضاؤه استقالتهم للملك يوم 3 نونبر في سان جيرمان أونلاي. 

وبنبرة انتقادية، اعتبر بوعبيد أن مجلس العرش في الأصل لم يكن هيئة تتوفر على صلاحيات حقيقية ولا قضايا جارية. ويضيف أنه كان مجرد إجراء شكلي سرعان ما سقط بعودة الملك محمد الخامس من المنفى.

كواليس اقتراب عودة محمد الخامس

ينتقل سرد بوعبيد بعد ذلك إلى مرحلة اتسمت بالاستعجال والحذر، إذ أصبح إنهاء وضع عهد الحماية أمراً لا يحتمل التأجيل، تفادياً لانفلات قد يفضي إلى اضطرابات خارجة عن السيطرة. وفي هذا الإطار، تم تعيين مندوب سام جديد لفرنسا في المغرب، خلفاً للجنرال بوايي دو لاتور، ووقع الاختيار على لوي أندريه دوبوا، الذي سبق أن شغل منصب والي على العاصمة الفرنسية باريس.

يصف بوعبيد في مذكراته المندوب السامي الفرنسي الجديد، على أنه “رجل بمزايا استثنائية، منفتح على الحوار، بصراحة وواقعية، يعرف كيف يتجاوز الصعوبات بردها إلى ما هو أساسي. كان يعرف الوضع الداخلي للبلاد، والمهام الضخمة التي تنتظره، ولا سيما فيما يتعلق بالحفاظ على الأمن”، قبل أن تشرح ذاكرة بوعبيد طبيعة المرحلة التي تم فيها تعيين المندوب السامي الجديد بالقول إن “الأمر يتعلق، أساساً، بالعمل الذكي والصارم، حتى تتم عودة محمد الخامس في أحسن الظروف”.

وفي محاولة منه لإبراز الحساسية السياسية للمرحلة، يقول بوعبيد إن المندوب السامي الجديد كان يدرك عداء الحضور الفرنسي، والذي كان بعض نشطائه يسيطرون على المصالح الأمنية، وبالتالي كان يمكن لأي حادث أو استفزاز أن يتفاقم ويتحول إلى اضطرابات خطيرة في جو مكهرب جداً، فطلب المندوب السامي تعاوننا النشيط من أجل مساعدته على مواجهة الوضع، وأول مرة منذ إقرار الحماية، طلب ممثل فرنسا، في إطار تقدير صادق، مشاركة حزب الاستقلال في الحفاظ على الأمن.

ولم تكن الإدارة الفرنسية، كما تروي ذاكرة بوعبيد، راغبة في حصر مخاطبتها السياسية بحزب الاستقلال وحده، رغم ثقله الشعبي والسياسي والتاريخي، لذلك أصرت، كما ورد في بيان 6 نونبر، على ضرورة تشكيل حكومة مغربية تمثل مختلف تيارات الرأي. فالفرنسيون المقيمون بالمغرب، والذين تجاوز عددهم أربعة آلاف، كانوا يتوجسون من مصيرهم إذا تُركت المفاوضات حصراً بيد الحزب ومنظمات المقاومة.

ولم تخل شهادة الوجه البارز في قائمة قادة النضال السياسي من أجل الاستقلال من الانتقادات لباقي الأطراف السياسية التي حاولت الإدارة الفرنسية في آخر لحظات عهد الحماية إدراجها في المفاوضات وترتيبات عودة محمد الخامس من المنفى، حين قال (بوعبيد) إنه من هنا، ظهرت محاولات إشراك عناصر من حزب الشورى والاستقلال أو الأحرار الليبراليين، رغم ضعف تمثيليتهم، باعتبارهم أكثر “طمأنينة” من منظور نيوكولونيالي. ويضيف أن هؤلاء أجروا محادثات موازية، قبل وبعد “إيكس ليبان” و”لاسيل سان كلو”، وقدموا وعوداً بالتنازل في مراحل الاستقلال.

هذه المسألة، كما يحكي بوعبيد، أثارت غضباً واسعاً في صفوف المناضلين، الذين تشبثوا بأنه لم يكن الشهداء، وعلى رأسهم الزرقطوني، قد ضحوا بأرواحهم ليصبح الانتهازيون ناطقين باسمهم. ومع ذلك، كان لا بد من اتخاذ قرارات صعبة، لأن الأساس لم يكن سوى العودة المظفرة للملك يوم 16 نونبر، وإلغاء عقد الحماية وتحرير الدولة من كل تبعية.

وفي ظل هذا الوضع السياسي الذي يضم، حسب شهادة بوعبيد، وطنيين و”انتهازيين”، استشرف حلاً وحيداً ممكناً لمسألة التمثيلية، وهو الاحتكام إلى انتخابات عامة في إطار ملكية دستورية ديمقراطية، وهو ما كان يشكل، في العمق، إرادة الملك ذاته. وقد انتصرت هذه الرؤية خلال مداولات باريس، وبقي إقناع علال الفاسي وأحمد بلافريج المرحلة الأصعب.

ويواصل بوعبيد سرد تنفيذ التزاماته مع أندريه دوبوا، حيث انتقل المهدي بن بركة إلى الرباط لتشكيل لجنة تنظيمية على اتصال دائم مع المندوب السامي (أندريه دوبوا). ورغم المخاطر، تمت تعبئة مئات المناضلين، وتشكيل لجان يقظة، وتأمين المسار الملكي، في عملية تنظيمية دقيقة أبان فيها المهدي بن بركة عن قدرة عالية، وخرج “الرفاق الإرهابيون” من الظل لحماية الأمن الوطني لشعب حر وذي سيادة.

يوم العودة.. لحظة تاريخية ناذرة

يحكي بوعبيد عن يوم 16 نونبر 1955 باعتباره يوماً يفوق الوصف. فعودة محمد الخامس لم تكن مجرد حدث سياسي، بل لحظة تاريخية نادرة. تكبيرات عميقة، كأنها صاعدة من أعماق القرون، استقبلت الملك وأبناءه، وعشرات الآلاف حجوا إلى المطار، ومئات الآلاف اصطفوا على طول المسار نحو المشور.

يصف السياسي الشاهد على مفاوضات إنهاء الحماية وترتيبات عودة محمد الخامس من المنفى أن المشهد على أنه كان تبجيلاً أسطورياً وجماعياً: صلوات، أغان وطنية، أهازيج شعبية، نساء وأطفال وشيوخ غمرهم البكاء. “سيدي محمد مول الجلابة حرير” لم تعد أغنية، بل صارت حقيقة حية، والملك، بابتسامته المضيئة، بدا كحلم يتحقق.

ومن بعد، فقط من بعد، يواصل بوعبيد استخلاص الدروس السياسية من مشاهد عودة محمد بن يوسف من المنفى قائلاً إنه يمكن إدراك حجم هذه الظاهرة. فالملوك، عبر التاريخ، كانوا يُنصَّبون بطقوس رسمية يحضرها العلماء وأعيان المخزن، بينما يُبعد الشعب عنها. أما في ذلك اليوم، فقد نُصِّب محمد الخامس بالاقتراع الشعبي المباشر، فكان الملك الوحيد الذي قدسه شعبه خارج الطقوس، لتولد ملكية شعبية جديدة”.

غير أن بوعبيد، وفي خاتمة تأملية، لا يغفل الوجه الآخر للحظة. فبعد نشوة الانتصار، جاءت سنوات عسيرة. صحيح أن الميثاق الوطني احترم في شقه المتعلق بالسيادة والاستقلال، لكن شقه المرتبط بدَمقرطة المؤسسات ظل معلقاً. وهكذا، يختم بوعبيد باستنتاج: الغد لا يفي دوماً بالوعود التي قدمها الأمس.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق