المغرب نيوز

رسائل رفض أخنوش ولاية ثالثة

رسائل رفض أخنوش ولاية ثالثة


في قمة الانشغال بمجريات كأس إفريقيا للأمم المقامة، واحتدام المنافسة بين المنتخبات المتأهلة، تمكن حدث سياسي من لفت انتباه المغاربة ليصبح على رأس أجندة أخبار البلاد، وذلك بعد قرار عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عدم الترشح لولاية ثالثة مع ما يرافق ذلك من التخلي عن خوض السباق الانتخابي المقبل لترأس “حكومة المونديال”.

إبداء الرغبة في عدم الاستمرار على رأس الحزب السياسي الأول في المشهد الانتخابي المغربي ليس حدثا عاديا، ويمكن أن يحمل عددا من التأويلات، وأن يقرأ سياسيا من زوايا متعددة، غير أن بعض التحليلات ذهبت بمستوى “التنجيم” إلى حدود قصوى، مقدمة تفسيرات خيالية لحدث يعد وقوعه من أكثر الأمور الطبيعية في أي مناخ سياسي يتوفر على الحدود الدنيا من أبجديات الديمقراطية.

وقد يكون مفهوما أن يُصدم المتابع العادي من مثل هذا القرار، لأن الواقع السياسي في المغرب طبع مع خلود الزعامات ومع ثقافة الالتصاق بالكراسي، حيث يتم تفصيل القوانين على المقاس للاستمرار في القيادة، غير أن الملفت هو كيف عمت الصدمة نفسها حتى من كان يناهض هذه الثقافة السياسية، إذ لم يتم قبول أن رئيس حزب سياسي مغربي يمكن أن يضع مفاتيح القيادة بمثل هذه السلاسة.

وبالفعل، قرار أخنوش غير مألوف في الحياة السياسية إلى درجة أن أكثر الخصوم والمتشائمين لم يتوقعوا اتخاذ خطوة مماثلة من سياسي يوجد في قمة “النجاح السياسي والتنظيمي”، بعدما استطاع الحزب تحت إشرافه إطلاق أنشطة تواصلية بزخم جماهيري غير مسبوق، وبعدما تمكن الرجل من تدبير ولايته الحكومية وسط الأزمات، مع الحفاظ على انسجام الأغلبية الحكومية، ظاهريا وإلى حدود اللحظة على الأقل، في حين شهدت حكومات ما بعد دستور 2011 مناوشات وصدامات كبيرة.

أخنوش الذي جاء لقيادة حزب “الحمامة” في وقت الأزمة اختار أن يسلم المفاتيح في قمة “مجده” السياسي، وهي حالة نادرة في المشهد المغربي، إذ لم يسبق أن أعلن زعيم سياسي بمحض إرادته إنهاء مهامه، والأكثر من ذلك أن هناك من فصل القوانين وتمسك بالبقاء رغم المناخ الداخلي والخارجي الراغب برحيله، والأمثلة غير بعيدة داخل بيوت أحزاب مثل الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية، قبل أن يأتي حزب طالما تمت محاسبته على قربه من الإدارة ليقدم درسا سيأخذ استيعابه وقتا طويلا.

وإلى جانب أن عزيز أخنوش لم يعلن صراحة اعتزاله السياسة بالمطلق، مع ما يعنيه ذلك من احتمال استمراره ضمن المشهد الحزبي والسياسي، فإن انتخاب قائد جديد لحزب “الحمامة” سيطرح كذلك سابقة سياسية إذ أن رئيس الحكومة لن يكون هو نفسه الأمين العام للحزب، عكس التقليد الذي رسخه حزب العدالة والتنمية حينما سارع إلى انتخاب سعد الدين العثماني أمينا عاما للحزب بعدما أصبح رئيسا للحكومة.

ويبدو أن المتضررين من خروج أخنوش من اللعبة، ليسوا أعضاء حزبه لأنهم سيراكمون ثقافة سياسية تقطع مع خلود الزعماء، بل المتضرر الأول هم خصومه الذين شيدوا خطاب المعارضة على شخصه وكانوا يستعدون لتركيز حملتهم الانتخابية على هذا الأساس، مما جعل هذا الانسحاب يربك حساباتهم.

القرار موضوع هذا الحديث، ودون كثير من التكهن حول خلفياته ودوافع توقيته، سيكون له انعكاسات مستقبلية على المشهد السياسي والحزبي المغربي، وربما يعيد ترتيب عدد من التفاصيل، غير أن أبرز رسائله في الوقت الحالي موجهة بالأساس لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالتقاعد السياسي، حتى مع الرواتب السمينة، ويعتقدون أنفسهم هم وحدهم من “يضيء” السياسة في هذه البلاد.



Source link

Exit mobile version