أعلنت الولايات المتحدة، السبت، اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بتهم تتعلق بغسيل الأموال وتهريب المخدرات، في خطوة قالت واشنطن إنها تندرج ضمن جهودها “لتفكيك شبكات الفساد والجريمة العابرة للحدود”.
وبينما ركزت البيانات الأميركية على البعد القضائي والأمني، أحدث الخبر زلزالا سياسيا في أميركا اللاتينية، وفتح باب التأويلات حول مستقبل النظام الفنزويلي، وانعكاسات ذلك على شبكة التحالفات التي نسجتها كراكاس خلال العقدين الأخيرين، خصوصا مع دول وحركات راهنت على دعمها الرمزي في المحافل الدولية.
وجاء الاعتقال في سياق دولي وإقليمي بالغ الحساسية، إذ تعيش فنزويلا منذ سنوات عزلة سياسية واقتصادية خانقة، فيما يشهد النظام الدولي إعادة تشكل في موازين القوى والتحالفات.
ومن بين الأطراف التي يطالها الارتداد السياسي لهذا التطور، الجزائر وجبهة البوليساريو الانفصالية، اللتان استفادتا لسنوات من الدعم السياسي والرمزي الذي وفرته فنزويلا لأطروحة الانفصال في الصحراء المغربية، خاصة داخل فضاء أميركا اللاتينية.
في هذا السياق، يرى الباحث في العلاقات الدولية عبد العالي سرحان أن “اعتقال نيكولاس مادورو فجر الثالث من يناير 2026 شكّل لحظة كسر داخل محور دولي ظل لسنوات يقوم على الممانعة الرمزية أكثر من القوة المؤسسية، وكانت الجزائر أحد المستفيدين غير المباشرين منه”.
ويضيف الباحث في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن الجزائر، منذ وصول مادورو إلى الحكم في مارس عام 2013، “استثمرت التقاطع الإيديولوجي مع كراكاس لتعزيز خطاب تقرير المصير في ملفات إقليمية، ضمنها الصحراء، خارج الإطار الإفريقي والأممي المباشر”.
ويعتبر سرحان أن سقوط مادورو “بهذا الشكل، وتحت يد واشنطن تحديدا، يعني عمليا انهيار ركيزة سياسية كانت الجزائر تراهن عليها لإظهار أن أطروحة البوليساريو تحظى بدعم دولي لا يقتصر على محيطها الإقليمي”.
أما بالنسبة للبوليساريو نفسها، فيصف الباحث الأثر بأنه “فوري وعميق”، موضحا أن فنزويلا “لم تكن داعما عسكريا أو ماليا حاسما، لكنها مثلت منصة دبلوماسية عالية الرمزية منذ اعترافها بالجبهة الانفصالية سنة 1982، ثم تحوّلها بعد 2013 إلى صوت أيديولوجي صاخب داخل أميركا اللاتينية”.
ويتابع سرحان أن اعتقال مادورو يضع الجبهة أمام “مرحلة انكماش خارجي جديدة، شبيهة بما حدث بعد سحب أكثر من 30 دولة اعترافها بما يسمى الجمهورية الصحراوية بين 2000 و2020”، محذرا من أن أي سلطة فنزويلية جديدة، في حال سعت إلى إعادة بناء علاقاتها مع الغرب، “ستنظر إلى ملف الصحراء باعتباره عبئا دبلوماسيا لا مصلحة لها في حمله”.
في المقابل، يقرأ المغرب هذا التطور من زاوية مختلفة. فبحسب سرحان، فإن ما جرى “يعزز مسارا بدأ فعليا منذ 2007 مع تقديم مبادرة الحكم الذاتي، وتسارع بعد 2020 مع الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على صحرائه”.
ويردف الباحث أن إضعاف السردية التي تربط نزاع الصحراء بـ”حركات التحرر” يخدم الطرح المغربي القائم على الاستقرار ووحدة الدول، في وقت توسعت فيه شبكة دعم الرباط لتشمل أكثر من 110 دول، بينها دول وازنة في أميركا اللاتينية نفسها.
أما الجزائر، فيرى سرحان أنها “أمام اختبار استراتيجي حقيقي”، إذ إن الاستمرار في الارتباط بخطاب وأنظمة “سقطت أو تتهاوى، كحالة كراكاس، قد يفاقم عزلتها الدبلوماسية”، خاصة في ظل تحولات مجلس الأمن منذ 2018، حيث لم يعد أي قرار أممي يتبنى صراحة خيار الاستفتاء.
ويخلص الباحث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية، إلى أن اعتقال مادورو “يسرّع تفكك محور دعم البوليساريو خارج إفريقيا، ويضع المغرب في موقع من يقرأ التحولات بهدوء ويستثمر فيها دون ضجيج”.
