أعلن سفير جمهورية الهند بالمملكة المغربية سانجاي رانا، دخول العلاقات بين الرباط ونيودلهي مرحلة جديدة من التوسع الاستراتيجي في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والشراكة الاقتصادية المتقدمة، مشددا على أن الزخم السياسي الذي تعرفه العلاقات الثنائية يتقاطع اليوم مع تحولات تكنولوجية كبرى تجعل من التعاون بين البلدين خيارا استراتيجيا وليس مجرد تنسيق ظرفي.
وجاءت تصريحات السفير الهندي بالرباط، خلال ندوة صحافية عقدها صبيحة اليوم الجمعة بمقر السفارة حيث قدم عرضا مطولا تناول فيه مختلف أبعاد الشراكة المغربية الهندية، انطلاقا من المشاركة المغربية في قمة “تأثير الذكاء الاصطناعي” التي احتضنتها الهند يومي 18 و19 فبراير الجاري، وصولا إلى التعاون في مجالات التكنولوجيا، الاستثمار، الدفاع، السياحة، الثقافة، والميزانية الهندية الجديدة.
وأوضح السفير أن المملكة المغربية شاركت في قمة “تأثير الذكاء الاصطناعي” بوفد رسمي ترأسته الوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة أمل الفلاح السغروشني، إلى جانب ممثلين رسميين حيث ناقش قادة وممثلون عن أكثر من مائة دولة أحدث التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي والاتجاهات المستقبلية لهذه التكنولوجيا التي وصفها بأنها “ستغير كل شيء”.
وأكد أن التحول الذي يقوده الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على قطاع بعينه، بل سيمتد إلى أنماط العمل، التعليم، الإعلام، الإدارة العمومية، الاقتصاد، بل وحتى إلى طريقة تفاعل الدول مع مواطنيها، معتبرا أن هذه التكنولوجيا ستعيد تشكيل البنية العميقة للمجتمعات الحديثة.
وشدد السفير على أن الذكاء الاصطناعي، باعتباره تكنولوجيا ناشئة ذات تأثير عميق، لا يمكن تركه دون تأطير دولي واضح، موضحا أن الهند ترى ضرورة إرساء منظومة حوكمة عالمية تضمن أن يكون الذكاء الاصطناعي في خدمة البشرية جمعاء، لا أداة للهيمنة أو الاحتكار كما أبرز أن التحدي الأساسي يكمن في ضمان أن يكون الذكاء الاصطناعي الذي سترثه الأجيال القادمة ديمقراطيا متاحا للجميع، وخاضعا للمساءلة، ويحترم سيادة الدول على بياناتها الوطنية.
وفي هذا الإطار، كشف المسؤول الدبلوماسي أن رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي الذي ترأس القمة، أطلق مبادرة جديدة تحمل اسم “MANA” باعتبارها رؤية متكاملة ومبادئ مؤطرة لاستخدام الذكاء الاصطناعي عالميا وشرح السفير أن حرف “M” يرمز إلى البعد الأخلاقي، أي ضرورة أن يكون الذكاء الاصطناعي نظاما مبنيا على إرشادات أخلاقية واضحة، لا ينتهك الحقوق ولا يكرس التمييز أما حرف “A” الأول فيشير إلى الحوكمة الخاضعة للمساءلة (Accountable Governance)، بما يعني وجود قواعد شفافة وآليات رقابة قوية وفعالة تضمن عدم إساءة استخدام التكنولوجيا.
ويرمز حرف “N” إلى السيادة الوطنية National Sovereignty، أي أن البيانات تعود ملكيتها إلى من ينتجها، وأن الدول يجب أن تحتفظ بحقها في إدارة بياناتها وحمايتها، أما حرف “A” الثاني فيحيل إلى الإتاحة والشمول Accessible and Inclusive تأكيدا على أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يكون احتكارا لشركات محدودة، بل أداة مضاعفة للفرص في متناول الجميع فيما يشير حرف “V” إلى المشروعية والصلاحية “Valid and Legitimate” أي ضرورة أن يكون الذكاء الاصطناعي قانونيا قابلا للتحقق وخاضعا للمعايير المعترف بها.
وأكد السفير أن الهند تؤمن بأن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون شفافا، وأن السلطة المرتبطة به ينبغي أن تكون في يد الشعوب، لا في يد عدد محدود من الشركات أو الجهات التي تتعامل معه كسر استراتيجي مغلق وأضاف أن جهود بلاده تتجه نحو جعل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي واستخداماتها أكثر إتاحة، خاصة لفائدة الشركات الناشئة ورواد الأعمال والمبتكرين الشباب.
وتوقف السفير مطولا عند الجانب التقني والمالي لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، موضحا أن كل وحدة معالجة رسومية (GPU) تُستخدم في هذا المجال قد تتجاوز تكلفتها مليون دولار وأن تشغيل النماذج المتقدمة يتطلب مئات أو آلاف الوحدات، ما يجعل ميزانيات تشغيل هذه النماذج ضخمة للغاية.
واعتبر أن هذا الواقع يشكل عائقا أمام الشركات الصغرى والمبتكرين الشباب الذين لا يملكون القدرة المالية على الاستثمار في بنية حوسبة متقدمة. غير أن الهند، بحسب قوله، اختارت معالجة هذا التحدي عبر توفير قدرة حوسبة قوية بأسعار ميسرة جدا، بحيث يمكن لرواد الأعمال الشباب تجربة حلولهم وتطبيقاتهم مقابل تكلفة منخفضة قد تصل إلى نحو ستة دراهم للساعة، ما يتيح لهم تطوير تطبيقات موجهة للأسواق المحلية والعالمية دون أعباء مالية خانقة.
وأشار إلى أن الحكومة الهندية تستثمر بقوة في بناء بنية تحتية رقمية متقدمة، تشمل قدرات حوسبة عالية وشبكات اتصال قوية ومراكز بيانات، حتى يكون المجتمع الهندي جاهزا لإتقان الذكاء الاصطناعي ولفت إلى أن الهند مثل المغرب، تتوفر على قوة شبابية كبيرة وموهوبة في مجال التكنولوجيا ما يجعل التعاون بين البلدين في هذا المجال ذا إمكانات واعدة للغاية.
وأكد السفير أن القمة عرفت حضور قادة وممثلين عن أكثر من مائة دولة، وأن المغرب صادق على إعلان الذكاء الاصطناعي الذي تم اعتماده في ختام الأشغال، وهو إعلان يكرس مبادئ التعاون الدولي، الشفافية، الشمول، وتعزيز تعاون بلدان الجنوب فيما بينها.
وعلى مستوى التعاون الأكاديمي، أوضح السفير أن هناك انخراطا متقدما مع جامعات مغربية من بينها جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، والجامعة الأورومتوسطية وجامعة الأخوين إلى جانب مؤسسات أخرى.
وأشار إلى تنظيم مؤتمر تمهيدي حول الذكاء الاصطناعي بإحدى الجامعات المغربية، بمشاركة نخبة من أبرز خبراء الذكاء الاصطناعي بالمملكة، حيث تم تبادل الأفكار والتجارب، ونشر تقرير مفصل عن مداولات اللقاء كما أعرب عن أمله في أن تتطور هذه المبادرات إلى شراكات مؤسساتية عميقة بين نظيراتها الهندية والمغربية.
وفي الشق الاقتصادي، استعرض السفير تفاصيل الميزانية الهندية للسنة المالية 2026–2027، التي تبدأ في فاتح أبريل 2026 وتنتهي في 31 مارس 2027، مؤكدا أنها تهدف إلى الحفاظ على معدل نمو يفوق 7 في المائة، وهو المعدل الذي يجعل الهند من بين أسرع الاقتصادات الكبرى نموا في العالم كما تروم الميزانية خفض العجز المالي إلى 4.3 في المائة وتقليص نسبة الدين إلى الناتج الداخلي الخام إلى حوالي 50 في المائة.
وأوضح أن الميزانية تتضمن حوافز واسعة لدعم الشركات التكنولوجية وتسهيل عملها، إضافة إلى تدابير لتعزيز الاستثمار والتجارة بما في ذلك مع المغرب، في مجالات مثل الصيد البحري، وقطع غيار السيارات، والتكنولوجيا، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية.
وكشف السفير عن تنظيم معرض “الهند–إفريقيا لتكنولوجيا المعلومات والاتصال” يومي 27 و28 مارس بالدار البيضاء بفندق حياة ريجنسي بعد شهر رمضان، بمشاركة شركات رائدة من الهند والمغرب ودول إفريقية أخرى وأوضح أن هذا الحدث سيجمع شركات قادرة على توفير المعدات والخدمات الضرورية لجعل المجتمعات جاهزة لعصر الذكاء الاصطناعي سواء من حيث الأجهزة، الاتصالات، أو الربط عالي السرعة بمراكز البيانات.
وفي ما يتعلق بالاستثمارات، أشار إلى اهتمام شركة Tata Consultancy Services بإقامة مركز تطوير بالمغرب، بينما وسعت شركة HCL Tech عملياتها خلال السنوات الثلاث الماضية، لترفع عدد موظفيها من 200 إلى 500 متخصص مغربي في تكنولوجيا المعلومات كما تحدث عن اهتمام شركات هندية بالاستثمار في مراكز بيانات تعمل بالطاقة الخضراء بالمغرب، مستفيدة من الإمكانات الكبيرة التي يوفرها البلد في مجال الطاقات المتجددة.
وعاد السفير إلى زيارة الملك محمد السادس إلى الهند في أكتوبر 2015، معتبرا أنها شكلت محطة مفصلية في العلاقات الثنائية كما أكد أن حجم المبادلات التجارية بلغ نحو أربعة مليارات دولار سنويا، مع تضاعف واردات الهند من أسمدة الفوسفاط التابعة لمجموعة OCP خلال السنوات الأخيرة.
وتحدث السفير عن استثمارات هندية في قطاع السيارات من خلال إطلاق مركبات مصنعة بالكامل في المغرب، إضافة إلى مشاريع لإنتاج النحاس والألمنيوم النقي بنسبة 100 في المائة، ما يقلص الحاجة إلى الاستيراد، فضلا عن اهتمام شركات هندية بالاستثمار في الصناعات الدوائية والدفاع، بما في ذلك مشروع لإنشاء مصنع لإنتاج نظارات الرؤية الليلية ومعدات الحماية العسكرية.
وعلى المستوى الثقافي والسياحي، أوضح أن السياح الهنود يشكلون إحدى أكبر الجنسيات الوافدة إلى مدن مثل مراكش، مشيرا إلى المشاركة المغربية في معرض السياحة بنيودلهي والعمل على تيسير الربط الجوي المباشر بين البلدين كما أبرز تطور التعاون السينمائي وتنظيم مهرجانات مشتركة، وفوز فيلم مغربي بجائزة أولى في مهرجان غوا السينمائي.
وأشار السفير بالتأكيد على أن المغرب يحتل مكانة خاصة في وجدان الهنود، وأن مجالات التعاون بين البلدين تمتد من التكنولوجيا والاقتصاد إلى الثقافة والسياحة والدفاع، في إطار شراكة متنامية تعكس تقاربا متزايدا بين الرباط ونيودلهي، ورغبة مشتركة في بناء مستقبل يقوم على الابتكار، التنمية المتبادلة، والسيادة الرقمية.

