“سمك الفقراء” بين قرار المنع وواقع السوق.. من 13 درهما في أكادير إلى أكثر من 30 درهما في الرباط وسلا.. لماذا لم تنخفض أسعار السردين رغم تقييد التصدير؟

adminمنذ ساعتينآخر تحديث :
“سمك الفقراء” بين قرار المنع وواقع السوق.. من 13 درهما في أكادير إلى أكثر من 30 درهما في الرباط وسلا.. لماذا لم تنخفض أسعار السردين رغم تقييد التصدير؟


قُدم قرار تقييد تصدير السردين باعتباره خطوة لحماية القدرة الشرائية للمغاربة وضمان وفرة “سمك الفقراء” في الأسواق الداخلية، خصوصا مع حلول شهر رمضان وارتفاع الطلب على المنتجات البحرية، غير أن جولة سريعة بين أسواق الرباط وسلا تكشف مفارقة صارخة.

فالسردين ما يزال يُباع بما يفوق 30 درهما للكيلوغرام الواحد، في وقت لا يتجاوز فيه 13 درهما في أكادير، ويتأرجح وطنيا بين 15 و40 درهما بحسب المدن وفق معطيات مهنية تفرض استفهاما بين قرار حكومي يستهدف خفض الأسعار، وسوق تحكمها تقلبات العرض وتكاليف النقل وهوامش الوسطاء ليظل السؤال معلقا على ألسنة المواطنين أين أثر المنع على

ومع اقتراب موعد الإفطار بسوق السمك في حي يعقوب المنصور بالرباط تتكثف الحركة تدريجيا، لكن الإقبال لا يعكس ذلك الزخم المعتاد الذي يسبق أذان المغرب في الأيام الأولى من رمضان، وفق ما عاينته “الصحيفة” أمس الأحد، فقد كان المشهد أقرب إلى ترقب جماعي منه إلى حمى شراء زبائن يتوقفون أمام الطاولات المعدنية.

ينحنون قليلا لقراءة الأرقام المكتوبة بخط أسود عريض على قطع كرتونية صغيرة، ويتبادلون النظرات، ثم ينتقلون بصمت إلى بائع آخر، العيون تلاحق الأثمنة قبل أن تلاحق لمعان القشور الفضية أو حجم الحبات فالسؤال الأول لم يعد عن الطزاجة أو مصدر التفريغ، بل عن الرقم المعلّق فوق الصندوق.

“بشحال اليوم؟”، سؤال يتكرر عشرات المرات في الدقيقة الواحدة، قبل أن يرد البائع: “30 درهم… هذا الكبير 35” عند سماع الجواب، يتراجع بعض الزبائن خطوة إلى الوراء يحسبون سريعا كلفة وجبة لأسرة من خمسة أفراد، ثم يهمسون “غالي بزاف”.

آخرون يطلبون تقليص الكمية نصف كيلو بدل كيلو، أو “دير ليا غير على قد الحال” وبين طاولة وأخرى، تتفاوت الأرقام بدرهمين أو ثلاثة، لكن المزاج العام واحد حذر واضح في الشراء، وتوجس من أن يكون هذا السعر هو القاعدة لا الاستثناء.

حتى المساومات، التي كانت جزءا من طقس السوق اليومي بدت خافتة، بعض الباعة يبررون الثمن بارتفاع كلفة الشراء من سوق الجملة، وآخرون يكتفون بالإشارة إلى الطلب المرتفع في رمضان غير أن ما يطغى على المشهد كما رصدته “الصحيفة”.

هو أن قرار تقييد التصدير لم ينعكس بعد في إدراك المستهلكين، الذين ينتظرون أثرا ملموسا على اللافتات المعلّقة قبل أي خطاب رسمي ففي هذا السوق الشعبي، تختصر الأرقام المعلّقة فوق الصناديق المزاج الاقتصادي بأكمله 30، 35 درهما وهي أرقام تتحول إلى محور الحديث بين الباعة والزبائن، وإلى عنوان يومي للقدرة الشرائية في مدينة غير بعيدة عن الميناء، لكنها في قلب النقاش حول من يستفيد فعلا من وفرة البحر.

فوق طاولة معدنية تتكدس عليها صناديق بلاستيكية زرقاء، يرفع أحد الباعة لافتة صغيرة كتب عليها بخط عريض: “السردين 30 درهما” الرقم وحده كافٍ لإثارة الجدل في فضاء اعتاد المغاربة أن يسموا فيه السردين “سمك الفقراء”.

محمد، تاجر سمك يمارس المهنة منذ حوالي 18 سنة، تحدث لـ “الصحيفة” مطولا وهو يرتب الصناديق بعناية “كتظن أننا نحن السبب، لكن الحقيقة أن الثمن كيبدأ يرتفع من سوق الجملة، اليوم نشتري الكيلو بثمن مرتفع، وإذا أضفت النقل والتبريد والمصاريف اليومية ما كيبقى لنا هامش كبير”.

يضيف موضحا: “قرار منع التصدير خلق توقعا عند المستهلكين أن الثمن سينخفض فورا، لكن السوق ماشي زر كهرباء خاص الوقت باش يتوازن العرض والطلب ثم إن الكميات اللي كتوصل ماشي دائما مستقرة، وأحيانا الجودة كتأثر على الثمن كذلك”

وحين سألته “الصحيفة”، عن الفارق بين الرباط وأكادير حيث يُباع السردين بـ13 درهما أجاب: ” أكادير مصدر للسردين أساسا يتواجد بها الميناء، والسمك كيمشي مباشرة من التفريغ للسوق هنا خاصو يقطع مئات الكيلومترات والنقل وحده كيقدر يضيف عدة دراهم للكيلو ثم كاين الوسطاء، وكل واحد عندو هامش”. ويستطرد: “إذا بغينا الثمن ينقص فعلا، خاص مراقبة صارمة لسلسلة التوزيع كاملة، ماشي غير قرار في القمة”.

غير بعيد عنه، كانت فاطمة وهي ربة بيت في الخمسين من عمرها، تتأمل السعر قبل أن تحسم قرارها وقد تحدثت لـ “الصحيفة” بنبرة يختلط فيها الاستياء بالقلق: “السردين كان دائما حلّنا في رمضان،  كنا نشريوه بـ10 أو 15 درهما اليوم 30 درهما؟ هذا رقم كبير على أسرة محدودة الدخل” وتضيف: “سمعنا أن الحكومة منعت التصدير باش ينقص الثمن، لكن في الواقع ما شفنا حتى تغيير لا فالسردين ولا باقي أنواع السمك إذا بقى الحال هكذا، غادي نضطروا نقلصوا من الكمية أو نبحثوا عن بديل”.

في سوق “باب سبتة” بسلا، الصورة لا تختلف كثيرا، هناك التقت “الصحيفة” يوسف وهو موظف في القطاع الخاص وأب لطفلين، قال إنه ” بين المدن كيطرح سؤالا كبيرا كيفاش في أكادير 13 درهما وفي الرباط أكثر من 30؟ إذا كان الهدف دعم السوق الداخلية، خاص النتائج تكون واضحة في كل المدن، ماشي غير في المناطق القريبة من البحر”.

ويتابع: “المشكل ماشي فقط في الكمية، ولكن في طريقة تنظيم السوق إذا ما كانش ضبط لهوامش الربح والوسطاء، القرار الحكومي ما غاديش يترجم مباشرة في جيب المواطن”.

في الدار البيضاء والجديدة، أكدت مصادر مهنية تواصلت معها “الصحيفة” أن أثمنة السردين في حدود 15 درهما للكيلوغرام، حيث تحدصوا “زيادة لا تقل عن 5 دراهم مقارنة بالأيام القليلة التي سبقت رمضان”.

أحد الباعة بسوق درب السلطان أوضح أنه “بداية رمضان دائما كتكون فيها زيادة بسبب الطلب المرتفع بيد أنه هذه السنة العرض لا بأس به مقارنة بالعام الماضي، لكن الطلب قوي جدا زنتوقع أن ترجع الأسعار تدريجيا مع انتصاف الشهر” غير أن هذا التفسير لا يقنع الجميع، خصوصا حين تصل الأثمنة في مدن داخلية مثل مراكش إلى 40 و45 درهما للكيلوغرام، وفق المعطيات المهنية.

أحد المهنيين بمراكش قال لـ “الصحيفة”: ” مراكش بعيدة عن موانئ التفريغ، وكل درهم في النقل كيظهر في الثمن النهائي ثم إن توقف قوارب الصيد الساحلي والتقليدي لقرابة ثلاثة أشهر بسبب اضطراب الأحوال الجوية أثر على العرض”
لكنه يضيف أن وصول شحنات جديدة “قد يساهم في تخفيف الضغط على الأسعار خلال الأيام المقبلة”.

في المقابل، من قلب أكادير، حيث يُباع السردين بين 12 و13 درهما، تحدث مصطفى، مهني في قطاع الصيد الساحلي، قائلا: ” من الميناء هو العامل الحاسم السمك كينزل مباشرة من القوارب إلى السوق، بدون سلسلة طويلة من الوسطاء. هذا كيخلي الثمن أقل” ويؤكد أن قرار تقييد التصدير “قد يكون إيجابيا على المدى المتوسط، لكن السوق خاصها وقت باش تستوعب التغيير”.

بعيدا عن السردين، عرفت أصناف أخرى تحركات لافتة وفق ما عاينته “الصحيفة” ف، “الميرنة” ارتفعت إلى 80 درهما للكيلوغرام، و”الكالمار” بلغ 120 درهما، بينما تراجعت “الكروفيت” إلى 120 درهما بعد أن كانت في حدود 170 درهما، واستقر “الصول” عند 120 درهما، مقابل 90 درهما لكل من “الشرغو” و”الباجو” غير أن السردين يظل المؤشر الأكثر حساسية، لأنه يمثل العمود الفقري لاستهلاك الأسر المغربية في شهر رمضان.

خبراء في سلاسل التوزيع الغذائي يرون أن قرار تقييد التصدير، وإن كان يستهدف دعم العرض الداخلي، لن يُحدث تحولا فوريا ما لم تُعالج اختلالات سلسلة القيمة إذ صرح سعيد الانصاري لـ “الصحيفة: الأسعار من 13 درهما في أكادير إلى أكثر من 30 درهما في الرباط وسلا و40 درهما في مراكش يكشف أن الإشكال يتجاوز الندرة فهناك كلفة لوجستية وهوامش ربح متعددة إذا لم يتم ضبط هذه الحلقات، سيظل المستهلك هو الحلقة الأضعف”

وهكذا، بين قرار حكومي يسعى إلى حماية القدرة الشرائية، وسوق محلية تحكمها اعتبارات الجغرافيا والمناخ وسلاسل التوزيع، يبقى “سمك الفقراء” عنوانا لمفارقة اقتصادية واضحة فالتصدير مُقيّد، لكن الأسعار في بعض المدن ما تزال مرتفعة فيما يظل المواطن ينتظر أن يلمس أثر القرار في ثمن الكيلوغرام الذي يضعه على مائدته الرمضانية.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق