تصدح الجموع أثناء مظاهرة داعمة للقضية الفلسطينية: “خيبر خيبر يا يهود.. جيش محمد سيعود”، فيشعر رفاقه بالإحراج من هذا الشعار الذي لا يُعبر عن رؤيتهم للصراع العربي-الإسرائيلي، أما هو فلا.. يُواصِل الاحتجاج بنفس الحيوية والحماس، لا يشعر بالإهانة، يُلوح بالعلم الفلسطيني وبشعارات الحرية دون كلل، فإذا كانت اليهودية ديانة أجداده التي لم يخترها بمحض إرادته، ففلسطين قضيته التي اختارها طوعاً، فلسطين بالنسبة له ليست مجرد جِنسية من بين جنسيات العالم.. إنها وشم الشرف على جبين كل حر.
ذلك كان الراحل “سيون أسيدون”، أحد رجالات المغرب الذين ذاقوا ويلات سنوات الرصاص وما بدلوا تبديلاً. هو من ذلك النوع الذي أكسبه “التعذيب السياسي” في معتقل “دار المقري”، سيء الذكر، خلال سبعينيات القرن الماضي، حساسية مرهفة تجاه آلام الغير، وإباءً في وجه الصمت عن عذابات شعب بأكمله، حتى وإن كان الجلاد يتقاسم معه الجذور الدينية والقومية.
أسيدون واحد من تلك الوجوه التي تزعج إسرائيل أكثر من أي مناضل، عربي أو أعجمي آخر، لأنها تفضح تهافت الأطروحة الصهيونية التي تسوق لنفسها دولياً وتشرعن وحشيتها بـ”مظلومية” الشعب اليهودي، وحاجته لـ”وطن قومي” يختبئ داخله من أخطار تتربص به؛ فهاهم أحفاد العبرانيين الشرفاء، يتقدمهم أسيدون، يرفعون في وجه إسرائيل شعار “ليسَ باسمي”.
ولد أسيدون بمدينة آسفي سنة 1948، لعجيب المفارقات، قبل بضعة أيام فقط من “إعلان قيام دولة إسرائيل” على الأراضي الفلسطينية، عقب انسحاب الانتداب البريطاني. كأن الأقدار شاءت أن تثبت به أن اليهودية في ضفة والصهيونية في ضفة أخرى، وأن الأولى أسبقُ وأبقى. ولذلك لم يتورع الراحل في حوار صحافي سابق من القول إن عبارة “الموت لإسرائيل” التي يتبناها تماماً، لا تعني بأي شكل من الأشكال “الموت لليهود”. وفي آخر أن: “الإسرائيليين ليسوا بمدنيين؛ إنهم ملزمون بالخدمة العسكرية وبالتالي فهم مسؤولون عن جرائم حرب”.
قد يعجب لحال هذا الرجل من ما زال عاجزاً عن التمييز بين إسرائيل واليهودية، ويتمثل كلتيهما كوجهين لعملة واحدة؛ كيف ليهودي أن يعادي إسرائيل أكثر من أعدائها التقليديين؟ “ذلك حال الشرفاء” يهمس أحد رفاقه الذين عرفوه لسنوات طوال؛ “لقد كان يشعر بالخزي من أن الصهيونية تقترف جرائمها باسم الشعب اليهودي الذي ينحدر منه، وكان يعتبر مسؤولية اليهود في إيقاف آلة القتل والاحتلال الإسرائيلية عند حدها أجسم من غيرهم”.
ولعل المناخ الإيديولوجي الذي نشأ فيه جنباً إلى جنب مع أبناء جيله من المغاربة المسلمين خلال حقبة الستينيات والسبعينيات ساهم في تشكيل هذا الوعي الثوري والنضالي لدى الراحل؛ فقد تبنى أسيدون، كمعظم أقرانه آنذاك، الفكر الماركسي، وانخرط في الحزب الشيوعي المغربي، وفي منظمات ماركسية سِرية كـ“23 مارس”، و“لنخدم الشعب”، ما كلفه الاعتقال وهو ابن 24 ربيعاً، والتعرض للتعذيب في المعتقل السري الرهيب “دار المقري”، الذي كانت تُقترفُ فيه أبشع ممارسات الاستنطاق والتعذيب في حق المعتقلين السياسيين.
قضى أسيدون زهرة شبابه في السجن من أجل مواقفه، ولم يغادره إلا سنة 1984، غير أن سنوات السجن لم تقطف زهرة حيويته النضالية والحقوقية، فأسس بعدها “حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات” (BDS Maroc) التي ناضلت ضد كل أشكال التطبيع بين المغرب وإسرائيل.
وحين سئل أسيدون عن علاقته بالهوية اليهودية؛ وهل يُحرجه أن يحتج من أجل فلسطين جنباً إلى جنب مع مناهضين لوجود الدولة اليهودية الوحيدة في العالم، كان يعتمِرُ طربوشه المغربي، ويتشح بكوفية فلسطينية أبلغ من أي جواب، ومع ذلك قال وهو يفاخر مُحاوِره: “أنا أصنف نفسي مغربيا عربيا وأمازيغيا” ولا أتحدث بوصفي يهوديا.
ترجّل سيون أسيدون عن صهوة الحياة صبيحة الجمعة السابع من نونبر 2025، أفي ذلك إشارة أخرى ما؟ بعد أن دخل في غيبوبة منذ 3 أشهر، بسبب “عدوى رئوية”، تاركاً سيرته مُثقلة بالرسائل والعِظات ووصاياه بعدم التراجع عن دعم الحق الفلسطيني تحت أي شعار.
