قال الحسين يوعابد مسؤول التواصل بالمديرية العامة للأرصاد الجوية، إن شمال المغرب يعيش واحدا من أكثر المواسم المطرية استثنائية منذ عقود، بعدما تجاوزت التساقطات في طنجة 1500 مليمتر أي ما يعادل ثلاثة إلى أربعة أضعاف المعدل السنوي المعتاد، بفعل تأثير “الأنهار الجوية” القادمة من المناطق المدارية وتوالي منخفضي “ليوناردو” و”مارتا” مشيرا إلى أنها رفعت مخزون السدود إلى 11.4 مليار متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ 2018، كما أعادت تشكيل الوضع المائي في البلاد لكنها في المقابل كشفت حجم التقلبات المناخية الحادة التي باتت تطبع الفصول وتطرح تحديات متزايدة في تدبير الموارد والوقاية من المخاطر.
وفي سياق موسم مطري استثنائي طبع شمال المغرب منذ شتنبر الماضي، قدمت المديرية العامة للأرصاد الجوية لـ “الصحيفة” توضيحات مفصلة حول الخلفيات المناخية التي تقف وراء الكميات القياسية من التساقطات المسجلة خلال الأسابيع الأخيرة والتي تجاوزت في بعض المناطق كل المعدلات المعتادة وخلقت وضعا مناخيا غير مسبوق جمع بين إنعاش الموارد المائية وارتفاع المخاطر الطبيعية في الآن نفسه.
وأوضح الحسين يوعابد مسؤول التواصل بالمديرية العامة للأرصاد الجوية، أن ما عاشته مناطق الشمال خاصة طنجة وشفشاون وحوض اللوكوس وغرب الريف، لا يمكن اعتباره مجرد تساقطات موسمية عادية بل نتيجة تفاعل جوي معقد مرتبط بما يُعرف علميا بـ”الأنهار الجوية”، وهي تيارات ضخمة من الرطوبة قادمة من المناطق المدارية تحمل كميات كبيرة من بخار الماء عبر الغلاف الجوي نحو مناطق بعيدة، قبل أن تتحول إلى أمطار كثيفة عند اصطدامها بكتل هوائية باردة أو تضاريس مرتفعة.
وبحسب التوضيحات ذاتها، فإن هذه الظاهرة لعبت دورا مركزيا في تغذية النشاط المطري الذي عرفه شمال المملكة خلال الفترة الممتدة من فاتح إلى 9 فبراير 2026، حيث سجلت عدة مناطق تساقطات نادرة من حيث الكثافة والتراكم في زمن قصير.
وقد تزامن ذلك مع مرور منخفضين جويين بارزين ساهما بشكل مباشر في تضخيم حدة هذه الأمطار، يتعلق الأمر بمنخفض “ليوناردو” الذي بدأ تأثيره منذ الرابع من فبراير، ثم منخفض “مارتا” الذي نشط بشكل واضح خلال عطلة نهاية الأسبوع يومي السابع والثامن من الشهر ذاته، ما أدى إلى تسارع وتيرة التساقطات وارتفاع منسوبها في فترة زمنية وجيزة.
ووفق المصدر ذاته، فإن الأرقام المسجلة تعكس حجم هذا التحول المناخي بوضوح ففي مدينة طنجة، بلغت كمية التساقطات منذ بداية الموسم المطري في شتنبر حوالي 1500 مليمتر، وهو رقم استثنائي يفوق بثلاثة إلى أربعة أضعاف المعدل السنوي المعتاد الذي يتراوح في الظروف العادية بين 400 و500 مليمتر كما وصلت التساقطات الشهرية في بعض المناطق إلى مستويات تعادل أربعة أو خمسة أضعاف المعدلات الموسمية، وهو ما يعكس شدة الظاهرة وتركيزها في فترة قصيرة.
ولم تقتصر هذه الكميات المرتفعة على طنجة وحدها، إذ سجلت منطقة شفشاون بدورها معدلات مهمة تجاوزت 700 مليمتر منذ بداية السنة الهيدرولوجية، في حين تركزت أغلب التساقطات على الشريط الأطلسي الشمالي والمناطق الجبلية للريف الغربي، وهو ما يؤكد الطبيعة غير المتوازنة لتوزيع الأمطار عبر التراب الوطني ففي المقابل، بقيت مناطق الوسط والجنوب بعيدة نسبيا عن هذه الاضطرابات، ما يعكس تفاوتا واضحا في التأثيرات المناخية بين الجهات.
وهذا التركز الكبير للأمطار في الشمال وفق قراءة يوعابد، يفسر جزءا من حدة التأثيرات الميدانية التي شهدتها بعض المناطق إذ إن تدفق كميات كبيرة من المياه خلال فترات زمنية قصيرة يرفع من احتمالات الفيضانات والانجرافات، حتى في المناطق التي اعتادت على الأمطار فالمشكل لا يرتبط فقط بكمية التساقطات، بل أيضا بوتيرة نزولها وتوزيعها الزمني والمجالي، وهو ما يجعل الظواهر المطرية القصوى أكثر تأثيرا على البنيات التحتية والأنشطة البشرية.
وفي المقابل، لم تخلُ هذه التساقطات من آثار إيجابية على الوضعية المائية الوطنية فقد ساهمت الأمطار الغزيرة في رفع المخزون المائي بالسدود إلى حوالي 11.4 مليار متر مكعب، مسجلة زيادة تقارب 147 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، في حين بلغ معدل الملء الإجمالي نحو 68.5 في المائة إلى حدود العاشر من فبراير، وهو مستوى لم يسجل منذ سنة 2018. ويعكس هذا الارتفاع تحسنا ملحوظا في احتياطات المياه بعد سنوات متتالية من الجفاف الذي أثر بشكل كبير على الفرشات المائية والقطاع الفلاحي.
ورغم هذا التحسن، يشدد يوعابد على أن الوضع المناخي الحالي يعكس تقلبات قوية أصبحت سمة بارزة في السنوات الأخيرة، حيث تتناوب فترات الجفاف الطويلة مع تساقطات غزيرة ومركزة زمنيا، وهو ما يفرض تحديات متزايدة على مستوى تدبير الموارد المائية والوقاية من المخاطر الطبيعية فالمشكل، بحسب التوضيحات المقدمة لا يتعلق فقط بندرة المياه أو وفرتها، بل بكيفية توزيعها زمنيا ومجاليا، وهو ما يفرض نماذج جديدة في التخطيط والتدبير.
أما بخصوص التوقعات القريبة، فتشير المعطيات الجوية إلى أن البلاد مقبلة على فترة هدوء نسبي خلال الأيام المقبلة، مع تسجيل ارتفاع تدريجي في درجات الحرارة في عدد من المناطق، وهو ما قد يساعد على استقرار الأجواء مؤقتا بعد أسابيع من الاضطرابات غير أن هذا الهدوء، وفق التقديرات نفسها لن يستمر طويلا، إذ يُرتقب أن تعود الاضطرابات الجوية من جديد ابتداء من نهاية الأسبوع مع أمطار معتدلة إلى محليا قوية في مناطق طنجة والريف واللوكوس، بينما ستكون التساقطات ضعيفة ومتفرقة في باقي المناطق، وقد تغيب تماما في الجنوب.
كما يُتوقع أن تساهم عودة المرتفع الجوي للأزور ابتداء من يوم الأحد في إعادة الاستقرار التدريجي للظروف المناخية على صعيد البلاد، ما قد يضع حدا لسلسلة الاضطرابات القوية التي طبعت الأسابيع الماضية.
ومع ذلك، يبقى المؤكد أن شتاء 2025–2026 مرشح ليكون من بين أكثر الفصول غزارة بالأمطار في شمال المغرب خلال العقود الأخيرة، في مشهد يجمع بين مؤشرات إيجابية مرتبطة بإنعاش الموارد المائية، ومؤشرات مقلقة مرتبطة بتزايد حدة الظواهر المناخية القصوى في سياق التغيرات المناخية العالمية.
