المغرب نيوز

“ضوء في ظل الخراب”.. رسام لبناني يجسد النجاة رغم دمار الحروب

“ضوء في ظل الخراب”.. رسام لبناني يجسد النجاة رغم دمار الحروب


حينما تغدو الريشة أداة للمقاومة وبث الحياة وسط الظلام، فإن الرسوم تجسد مأساة المنكوبين، ثم تبحث بين السطور عن حبال النجاة، لعلها تنقذ المظلومين ولو كانوا في الرمق الأخير.

هكذا بدأت الحكاية مع الرسام اللبناني علي شمس الدين، الذي بحث عن بصيص النجاة في منطقة تعج بالحروب، ليتجاوز جغرافيا بلده من خلال ريشته وألوانه، فيجسد المشكلة والحل في الوقت نفسه، ليس فقط في لبنان، بل في قطاع غزة وبلدان أخرى.

شمس الدين (69 عاماً) عضو نقابة الفنانين التشكيليين اللبنانيين، حاز على جائزة الكتب المصورة من معهد اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) الثقافي لشرق آسيا في اليابان عام 1994، وجائزة معرض الشارقة الدولي للكتاب عام 1996.

** أمل رغم الخراب

“ضوء في ظل الخراب” هو العنوان الذي اختاره شمس الدين رغم تقدمه بالعمر، لمعرضه المقام حاليا في العاصمة بيروت، والذي يظهر من عنوانه أنه يعطي الأمل رغم شحه نتيجة الحروب التي افتعلتها إسرائيل بالمنطقة، فضلا عن النزاعات التي تشهدها بلدان عربية.

المعرض الذي يستمر حتى 11 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، ليس الأول الذي يقيمه شمس الدين، بل كان له معرض سابق قبل عامين، تحت عنوان “اللامكان والزمن المفقود”، تناول فيه أزمة النزوح في لبنان جراء العدوان الإسرائيلي على بلاده، وأطلق خلاله ما سمّاه “ثورة لونية”.​​​​​​​

وفي أكتوبر 2023 شنت إسرائيل عدوانا على لبنان حولته في سبتمبر/ أيلول 2024 إلى حرب شاملة قتلت خلالها أكثر من 4 آلاف شخص وأصابت نحو 17 ألفا آخرين.

ورغم التوصل في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين “حزب الله” وإسرائيل، فإن الأخيرة خرقته أكثر من 4 آلاف و500 مرة، ما أسفر عما لا يقل عن 276 قتيلا و613 جريحا، وفق بيانات رسمية.

** جذور القصة

بدأ شمس الدين رسم لوحاته الفنية قبل 3 أعوام، لكن مع اندلاع الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، وامتداد العدوان إلى لبنان، بدأت رسوماته تتأثر بما يحدث في المنطقة، من دمار وخراب.

كما تأثرت رسوماته بما شهدته بلدان أخرى من أحداث، كالإطاحة بنظام بشار الأسد في سوريا بعد ثورة استمرت 14 عاما (2011- 2024)، فضلا عن القتال المتواصل في السودان بين الجيش و”قوات الدعم السريع” منذ منتصف أبريل/ نيسان 2023، ما أسفر عن مقتل آلاف ونزوح ملايين الأشخاص.

ولم تقتصر عناصر الفن لدى شمس الدين على تسليط الضوء على الدمار والخراب، بل أرفقت ذلك بالأمل والتطلع إلى النجاة رغم سوداوية المشهد.

المعرض التشكيلي المقام حاليا مؤلف من 25 لوحة، تختلط فيها الألوان وتتوزع وفقاً لكل مرحلة أو قصة، فيطغى الأسود حيناً والأخضر حيناً آخر، في حين تجتاح الألوان الوردية لوحات تعكس بعضاً من الأمل والفرح وحلم الناجين والصامدين.

وبحسب المنشور التعريفي للمعرض، فإن الرسام في هذه اللوحات “يبحث عن اللون كفعل مقاومة، وعن الضوء كصوت خفي ينجو من الظلام، حيث تنبعث من رغيف الخبز رائحة الموت ويختلط الطحين بدم الاطفال”.

وبشأن الرقعة الجغرافية التي يتناولها المعرض، يقول المنشور التعريفي: “من سوريا إلى لبنان إلى السودان إلى فلسطين الضحية، وفي القلب منها غزة”.

ويضيف: “في غبار هذا الخراب الكبير، يشتبك اللون مع العنف في حوار نازف وخفي، تاركا ندوبه على سطح القماشة البيضاء، حيث الحب والأمل والضوء، آخر ما تبقى لنا في وجه هذا الظلم المقيم”.

** أمل ونجاة

ولشرح هذا التمازج بين ثنائية الخراب والأمل، يقول شمس الدين للأناضول، إن المعرض “مقاربة وجودية لمفهوم النجاة من الحروب في ظل الوضع المأساوي الذي تعيشه المنطقة العربية منذ سنوات، واتسع وتعمق خلال السنوات الـ3 الأخيرة”.

ويوضح أنه تجنب في لوحاته “تجسيد العنف المستخدم ضد الناس فقط، والذي تختزله غزة تحديدا (جراء الإبادة الإسرائيلية)”، إنما حاول أيضا البحث عن أمل ونجاة من هذا العنف.

ويضيف في هذا السياق: “حاولت أن أجسد الرغبة في البقاء على قيد الحياة، والأمل المفتوح على مستقبل أجمل وأفضل رغم كل هذا العنف بحق الشعوب، ورغم الدماء والإقصاء والتهجير”.

ويتابع: “رغم مشهد الناس الباحثين عن رغيف الخبز أو قارورة الماء أو حبة الدواء (في غزة جراء الحصار الإسرائيلي)، ما زلت أرى بأن هناك من راهن على الصمود والاستمرار، وبالتالي الانتصار على الألم”.

ورداً على سؤال حول ما إذا كان الناجون قد نجوا فعلا أم هم ضحايا بالمستقبل، يقول شمس الدين: “هؤلاء مزيج من الاثنين، لأن حجم المأساة والدمار الذي لحق بغزة، لم يترك لنا مجالا للتفكير بأن هناك ناجين حقيقيين”.

ويعتبر “الجميع ضحايا، ومن مات منهم فقد رحل، ومن بقي فهو مشروع قتيل، وإذا لم يقتل فهو جائع أو مريض أو محتاج لأبسط مقومات الحياة”.

ورغم أهوال الإبادة الإسرائيلية، يرى الرسام اللبناني “في عيونهم (الفلسطينيين) قوة متبقية حتى الرمق الاخير، لأنهم يأملون بمستقبل أفضل إذا بقوا على قيد الحياة”.

ويؤكد أن “الناجين يتوقعون أن يقتلوا في أي لحظة، ورغم ذلك ما زلت ترى في وجوههم ذلك البأس الشديد، والقدرة على الصمود والرغبة في الحياة”.

وبدعم أمريكي، ترتكب إسرائيل منذ 7 أكتوبر 2023 إبادة جماعية بغزة، خلّفت 66 ألفا و5 قتلى و168 ألفا و162 مصابا، معظمهم أطفال ونساء، ومجاعة أزهقت أرواح 442 فلسطينيا بينهم 147 طفلا.

ومنذ مارس الماضي أطبقت إسرائيل حصارها على قطاع غزة، ومنعت دخول المساعدات الطبية والإغاثية والغذائية، إلا بكميات شحيحة جدا، ما ضاعف من حالة التدهور في القطاع الصحي، وفاقم الأوضاع الإنسانية نتيجة تفشي المجاعة.​​​​​​​



Source link

Exit mobile version