المغرب نيوز

عائلة المغربي الصفريوي تتهم القضاء الفرنسي بعدم الاستقلالية بعد تراجع وزير الداخلية عن أقواله بـ”رسالة إلكترونية” في قضية مقتل الأستاذ صامويل باتي

عائلة المغربي الصفريوي تتهم القضاء الفرنسي بعدم الاستقلالية بعد تراجع وزير الداخلية عن أقواله بـ”رسالة إلكترونية” في قضية مقتل الأستاذ صامويل باتي


دخلت محاكمة الاستئناف في قضية مقتل الأستاذ الفرنسي صامويل باتي مرحلة غير مسبوقة من التوتر القانوني والسياسي، بعدما تحولت جلسات كان يُفترض أن تقترب من نهايتها إلى ساحة مواجهة مفتوحة حول حدود تدخل السلطة التنفيذية في القضاء، إثر تراجع وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز عن إفادة رسمية سابقة، وطلبه تصحيحها عبر رسالة بريد إلكتروني مباشرة إلى رئيسة المحكمة، في خطوة فجّرت اتهامات صريحة بوجود ضغط سياسي قد يؤثر على مسار العدالة، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول استقلال القضاء الفرنسي.

وتعود القضية إلى أكتوبر 2020، حين قُتل الأستاذ صامويل باتي الذي كان يدرّس مادة التاريخ والجغرافيا، بعد حملة تحريض إلكترونية أعقبت عرضه رسوما كاريكاتورية خلال درس حول حرية التعبير.

وقد اعتبرت التحقيقات أن تلك الحملة التي شارك فيها والد إحدى التلميذات إبراهيم شنينا مؤازرا بالناشط الجمعوي المغربي عبد الحكيم الصفريوي ساهمت في خلق مناخ عدائي أدى إلى استهداف الأستاذ من قبل منفذ الهجوم.

وفي دجنبر 2024، أصدرت المحكمة الابتدائية حكما أدانت فيه المتهمين على أساس أنهم رغم عدم معرفتهم المباشرة بالقاتل “تحملوا عن علم خطر أن يقدم شخص متطرف على تنفيذ اعتداء” مستندة إلى مفهوم العلاقة السببية غير المباشرة بين التحريض والنتيجة الجنائية غير أن مرحلة الاستئناف، التي كان يُفترض أن تركز على المرافعات النهائية، انزلقت فجأة إلى أزمة إجرائية وسياسية، بعد إدراج إفادة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز ضمن ملف القضية.

وبحكم منصبه، لم يُستدع الوزير للمثول علنا أمام المحكمة إذ ينص القانون الفرنسي على إجراءات خاصة تتطلب إذنا حكوميا لمثول الوزراء، لذلك جرى الاستماع إليه خارج الجلسة من قبل الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، وتم تحرير محضر رسمي أُدرج لاحقا ضمن الوثائق القضائية.

لكن هذا المحضر، المؤرخ في 20 فبراير، تضمن جوابا اعتُبر محوريا في ميزان الاتهام والدفاع، إذ أكد الوزير أنه لا يمكن الجزم بأن تسمية شخص علنا واتهامه بالإساءة إلى الإسلام أو النبي تُعرّضه بالضرورة لخطر جسيم على حياته أو سلامته وهذا التصريح شكّل نقطة ارتكاز فورية لمحامي الدفاع، الذين رأوا فيه اعترافا رسميا من مسؤول أمني رفيع المستوى بأن العلاقة السببية بين حملة التشهير والجريمة ليست تلقائية أو مؤكدة، ما من شأنه تقويض أحد الأعمدة الأساسية التي استند إليها الحكم الابتدائي لإثبات المسؤولية الجنائية للمتهمين.

ويكتسب هذا التصريح أهمية مضاعفة بالنظر إلى موقع نونيز خلال الوقائع، إذ كان يشغل منصب المنسق الوطني للاستخبارات ومكافحة الإرهاب في قصر الإليزيه، وهو منصب يضعه في قلب منظومة تقييم التهديدات الإرهابية في فرنسا، ويمنح شهادته قيمة تحليلية ومؤسساتية عالية لذلك اعتبر الدفاع أن إفادته الأولى تدعم أطروحته الأساسية، القائمة على أن المتهمين لم يكونوا على علم بوجود مخطط إرهابي محدد، ولم تكن لديهم نية مباشرة أو مؤكدة للتسبب في القتل.

غير أن هذا التوازن القانوني الهش لم يدم طويلا، فبعد انتشار مضمون الإفادة الأولى أصدر محيط الوزير توضيحا عبر وكالة الصحافة الفرنسية يؤكد أن تصريحاته لا ينبغي تفسيرها على أنها تبرئة للمتهمين أو إضعاف للاتهام.

 وفي مساء الأحد 22 فبراير الماضي، تلقت رئيسة المحكمة رسالة بريد إلكتروني مباشرة من الوزير نفسه أرسلها من عنوان شخصي، أعلن فيها تراجعه الصريح عن تفسير أقواله الأولى، مؤكدا أنه “على يقين” من وجود علاقة سببية واضحة بين حملة التشهير التي استهدفت صامويل باتي والقرار الذي اتخذه منفذ الهجوم بقتله، وأن الحملة التي قادها عبد الحكيم الصفريوي وإبراهيم شنينا “قادت بشكل لا لبس فيه الإرهابي إلى اختيار الأستاذ هدفا له”

هذا التدخل غير المسبوق وضع المحكمة أمام معضلة قانونية دقيقة، فالبريد الإلكتروني رغم أهميته، لا يُعد قانونيا إفادة رسمية ما دفع هيئة المحكمة إلى اتخاذ قرار بإعادة الاستماع إلى الوزير عبر محضر جديد أُضيف إلى ملف القضية مساء 24 فبراير غير أن إعادة الاستماع هذه كانت محدودة للغاية إذ اقتصرت على النقطة التي تراجع عنها الوزير دون إعادة استجوابه بشكل كامل أو فتح المجال أمام الدفاع لطرح أسئلة إضافية أو استيضاحات جديدة، وهو ما فجّر موجة احتجاجات قوية داخل قاعة المحكمة.

واعتبر محامو الدفاع أن ما حدث يشكل انتهاكا صريحا لمبدأ المواجهة بين الأطراف، وهو أحد الركائز الأساسية للمحاكمة العادلة في القانون الفرنسي مؤكدين أن المحكمة اتخذت قرارا أحاديا بإعادة الاستماع إلى شاهد رئيسي دون ضمان حق الدفاع في استجوابه بشكل كامل وذهب بعض المحامين إلى حد التشكيك في الظروف التي دفعت الوزير إلى تصحيح إفادته، متسائلين عما إذا كان الضغط السياسي أو الإعلامي قد لعب دورا في هذا التحول المفاجئ.

وأكد أحد محامي الدفاع أن “الواقع يظهر أن وزيرا في منصبه استطاع عمليا فرض إعادة الاستماع إليه لتصحيح تصريح أصبح إشكاليا” معتبرا أن هذا التطور يفتح الباب أمام سابقة خطيرة قد تسمح بتعديل الشهادات الرسمية تحت تأثير عوامل خارجية كما أشار محامون آخرون إلى أن إدراج المحضر الجديد في وقت متأخر من الليل حرمهم من الوقت الكافي لتحليله والرد عليه ما يطرح تساؤلات جدية حول احترام حقوق الدفاع.

وتجاوز الجدل الإطار الإجرائي ليأخذ بعدا سياسيا واضحا، إذ اعتبر بعض المحامين أن تدخل وزير الداخلية وهو أعلى مسؤول أمني في البلاد، في ملف قضائي مفتوح، يثير شبهة تدخل السلطة التنفيذية في عمل القضاء ووصف أحدهم ما حدث بأنه “دليل واضح على تدخل السلطة السياسية داخل المؤسسة القضائية” فيما اعتبر آخر أن التناقض بين إفادتين رسميتين للشاهد نفسه يطرح مسألة مصداقية الشهادة وتأثيرها على سلامة الحكم النهائي.

في المقابل، دافعت النيابة العامة ومحامو الأطراف المدنية عن الإجراءات التي اتخذتها المحكمة، معتبرين أن إدراج رسالة الوزير يعكس احتراما لمبدأ الشفافية وليس العكس وأن رئيسة المحكمة كانت ملزمة قانونيا بإضافة أي عنصر جديد يمكن أن يساهم في كشف الحقيقة وأكدت المحكمة أنها استندت إلى الصلاحيات التي يمنحها قانون الإجراءات الجنائية لرئيس الجلسة، والتي تسمح له باتخاذ أي إجراء ضروري لتوضيح الوقائع.

وفي خضم هذا التصعيد القضائي والسياسي غير المسبوق، اختارت عائلة الناشط المغربي عبد الحكيم الصفريوي، أحد أبرز المتهمين في الملف كسر الصمت والدخول مباشرة على خط الجدل الدائر، معتبرة أن ما تشهده جلسات الاستئناف لم يعد مجرد نقاش قانوني تقني حول إجراءات المحاكمة بل تحول إلى اختبار حقيقي لمتانة مبدأ استقلال القضاء الفرنسي وقدرته على العمل بمعزل عن التأثيرات السياسية.

وفي تصريح خصّت به “الصحيفة” عبّرت شقيقته سلوى الصفريوي عن “قلق عميق ومشروع” إزاء المنعطف الذي أخذته المحاكمة في الأيام الأخيرة، مؤكدة أن إعادة الاستماع إلى وزير الداخلية بعد تدخله الشخصي لتصحيح إفادته تطرح من وجهة نظرها، تساؤلات جدية حول طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية في هذا الملف الحساس.

وأوضحت الصفريوي لـ “الصحيفة” أن ما يثير القلق ليس فقط مضمون التصريحات الجديدة بل السياق الذي جاءت فيه، معتبرة أن تدخل مسؤول سياسي في هذا المستوى وفي مرحلة متقدمة من المحاكمة، يمكن أن يُفهم على أنه عامل ضغط محتمل سواء كان مباشرا أو غير مباشر، على مجريات العدالة.

وأضافت الصفريوي أن “أي إشارة إلى احتمال تأثير السلطة التنفيذية على مسار قضية معروضة أمام القضاء تمثل مسألة بالغة الخطورة، لأنها تمس جوهر مبدأ الفصل بين السلطات، وهو أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها الأنظمة الديمقراطية”.

وأكدت المتحدثة أن العائلة تتابع مجريات المحاكمة باهتمام بالغ، ليس فقط لأنها تتعلق بأحد أفرادها المتمسكة ببراءته بقوة الادلة بل لأنها ترى أن القضية أصبحت تتجاوز الإطار الفردي لتلامس مسألة أوسع تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة كما شددت على أن فرنسا، التي تقدم نفسها باعتبارها دولة مؤسسة على سيادة القانون “لا يمكن تقييمها من خلال خطابها السياسي أو شعاراتها، بل من خلال مدى قدرتها الفعلية على ضمان محاكمة نزيهة ومتوازنة، تُدار حصريا داخل الفضاء القضائي، بعيدا عن أي ضغط سياسي أو إعلامي أو ظرفي”.

كما اعتبرت أن ما حدث في جلسات الاستئناف الأخيرة أعاد إلى الواجهة مخاوف قديمة بشأن التداخل بين الاعتبارات الأمنية والسياسية من جهة والمسار القضائي من جهة أخرى خاصة في القضايا المرتبطة بالإرهاب، التي غالبا ما تكون محاطة بضغوط الرأي العام والسلطات.

وأشارت إلى أن العائلة لا تسعى إلى التشكيك في القضاء الفرنسي كمؤسسة، لكنها ترى أن “أي إجراء قد يُفهم على أنه استجابة لتدخل سياسي، حتى لو كان الهدف منه توضيح الوقائع، قد يؤدي إلى إضعاف صورة العدالة ويطرح تساؤلات حول استقلاليتها الفعلية”.

وأضافت أن الثقة في العدالة لا تقوم فقط على إصدار الأحكام، بل على الطريقة التي تُدار بها الإجراءات وعلى شعور جميع الأطراف بأن حقوقهم مصانة وأن المحكمة تعمل في إطار من الحياد الكامل كما حذرت من أن “أي اهتزاز في هذا التوازن قد تكون له تداعيات تتجاوز هذه القضية بعينها، لأنه يمس ثقة المواطنين في المؤسسات القضائية، وهي الثقة التي تشكل حجر الأساس في استقرار أي نظام قانوني”.

وختمت بالتأكيد على أن العائلة تأمل أن تستمر المحاكمة في إطارها القضائي الصرف، وأن تُمنح جميع الأطراف الفرصة الكاملة لعرض مواقفها في ظروف تضمن تكافؤ الفرص واحترام قواعد المحاكمة العادلة، معتبرة أن “العدالة الحقيقية لا تتحقق فقط بإصدار حكم، بل بضمان أن المسار الذي يقود إليه كان مستقلا تماما وخاليا من أي تأثير خارجي”.

وبعد ساعات من المواجهات القانونية الحادة، أكدت رئيسة المحكمة أن إدراج رسالة الوزير لم يكن خيارا سياسيا، بل التزاما قانونيا يفرضه واجب البحث عن الحقيقة، مشددة على أن المحكمة لن تتجاهل أي عنصر يمكن أن يؤثر على فهم الوقائع غير أن هذا التوضيح لم يُنهِ الجدل، إذ أعلن محامو الدفاع أنهم يدرسون إمكانية الطعن في الإجراءات، معتبرين أن الطريقة التي أُعيد بها الاستماع إلى وزير الداخلية قد تشكل خرقا خطيرا لمبادئ المحاكمة العادلة، وقد تفتح الباب أمام الطعن في الحكم النهائي أمام محكمة النقض.

وكانت “الصحيفة” قد نشرت في وقت سابق القصة الكاملة لعبد الحكيم الصفريوي، في تقرير موسع أعاد تركيب مسار هذا الناشط الفرنسي من أصل مغربي منذ اللحظة التي وجد فيها نفسه فجأة في قلب واحدة من أكثر القضايا حساسية في فرنسا بعد جريمة قتل الأستاذ صامويل باتي سنة 2020.

وقد وثّق “الصحيفة” استنادا إلى شهادات عائلته ومحاميه ومعطيات الملف القضائي، كيف انتقل الصفريوي من ناشط جمعوي معروف داخل أوساط الجالية المسلمة إلى متهم بـ”التواطؤ في عمل إرهابي” رغم أن التحقيقات نفسها لم تثبت وجود أي علاقة مباشرة بينه وبين منفذ الهجوم ولا حتى اطلاع الأخير على الفيديو الذي نشره.

كما أبرزت السياق السياسي والإعلامي الذي أحاط بالقضية، حيث تداخلت الاعتبارات الأمنية مع النقاشات المحتدمة حول العلمانية والإسلام وحرية التعبير، في بلد لا يزال يعيش على وقع صدمة الهجمات الإرهابية التي شهدها منذ سنة 2015.

وفي هذا الإطار، كشفت “الصحيفة” أن قضية الصفريوي لم تكن مجرد ملف جنائي معزول بل تحولت إلى رمز لصراع أوسع داخل المجتمع الفرنسي حول حدود حرية التعبير ومكانة المسلمين ودور الدولة في مواجهة ما تسميه “الانفصالية” وقد نقلت الجريدة شهادات أفراد أسرته الذين أكدوا تمسكهم ببراءته ومرافعات محاميه الذي اعتبر الحكم الصادر بحقه نتيجة مناخ سياسي مشحون أكثر منه نتيجة أدلة مادية قاطعة، في مقابل موقف رسمي وجزء من الرأي العام يرى في القضية جزءا من معركة الدولة ضد التطرف.



Source link

Exit mobile version