بين صرامة التكتيك الإنجليزي وعفوية الملاعب الشعبية المغربية، خيط رفيع نسجه مصطفى عيزان بصبر وتحدٍ. هي حكاية رجل سرقته “الظروف” من المستطيل الأخضر كلاعب، ليعيده الشغف كخبير يلقن أبجديات الكرة في بلاد الضباب.
فمن أزقة البيضاء إلى أكاديميات “مانشستر”، صاغ عيزان مساراً غير تقليدي كسر فيه القواعد وأثبت فيه كفاءته من داخل أعرق قلاع الإنجليز.
حلم الرجاء الذي توقف مبكراً
وفي حديثه لجريدة “مدار 21” ضمن برنامج “مسيرة لاعب”، استعاد مصطفى عيزان تفاصيل بداياته الكروية التي انطلقت من الشوارع قبل أن يحتضنها فريق الرجاء الرياضي، الذي خلق لدى عيزان حلماً جديداً وهو حمل قميص الفريق الأول “للنسور”.
ومع نهاية الثمانينات، وتحديداً بين سنتي 1987 و1989، تمكن عيزان من تحقيق هذا الحلم، ليلعب ضمن صفوف فريق الرجاء كلاعب خط وسط، رفقة كل من مصطفى خالف ومصطفى مستودع.
غير أن الظروف المادية، التي كانت تؤثر في مسار العديد من اللاعبين خلال تلك الفترة، فرضت على مصطفى بدوره التوقف مبكراً عن إكمال مساره الكروي.
ليختار عيزان حينها طريقاً مختلفاً، حيث قرر الولوج لمجال التعليم ليشتغل أستاذاً للغة الإنجليزية، دون أن يدرك أن القدر سيعيده مرة أخرى إلى المستطيل الأخضر.
من قاعات الدراسة إلى “مسرح الأحلام”
وبعد سنوات من العمل التربوي بمدينة أبي الجعد، شد مصطفى عيزان الرحال إلى بريطانيا لإكمال دراسته، غير أنه سرعان ما عاد له شغفه بكرة القدم الذي تحول في ما بعد لمشروعه المهني والأكاديمي. وفي سنة 2004، نجح عيزان في الحصول على إجازة التدريب الأوروبية من الدرجة الرابعة، مستفيداً من تجربته السابقة كلاعب في فريق الرجاء الرياضي.
وفتحت هذه الخطوة أمام مصطفى أبواباً لم يكن يتوقعها، إذ التحق بأكاديمية نادي مانشستر يونايتد، أحد أكبر الأندية في العالم، ليبدأ تجربة مهنية استمرت سبع سنوات داخل أسوار “أولد ترافورد”.
وخلال هذه الفترة، لم يقتصر دور عيزان على التدريب فقط، بل شارك أيضاً في برامج لتبادل الخبرات نظمها النادي في اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، ليتوج في الولايات المتحدة بلقب “مدرب السنة” في منافسة ضمت مئات المدربين من مختلف أنحاء العالم. كما امتدت تجربته لاحقاً إلى العمل مع فريق مانشستر سيتي، إضافة إلى مهام تمثيلية للنادي في الصين، فضلاً عن محطات تدريبية وتقنية أخرى في مختلف بقاع العالم.
عودة إلى الوطن.. بين الطموح والواقع
ورغم الإغراءات الخارجية، اختار عيزان العودة إلى المغرب حاملاً معه عصارة تجارب عالمية، لكن الصدمة كانت بانتظاره خلف أسوار الملاعب الوطنية، فبينما كانت كبريات الأندية العالمية تفتح له أبوابها، وجد نفسه أمام جدار من الصمت والتجاهل محلياً.
واصطدم عيزان بغياب تام للتجاوب من طرف الأندية، وبمنظومة تواصل عاجزة عن استيعاب قيمة إطار وطني نجح في أن يثبت نفسه داخل كبريات أندية العالم، ليجد نفسه في رحلة بحث صعبة عن “مشروع رياضي” يقدر كفاءته.
ورغم التجاهل المحلي، وبفضل تواجد أطر أجنبية استشعرت قيمة تكوينه، حظي عيزان بفرصة لتكوين الأطر والمدربين بجهة خريبكة، قبل أن يشرف على الفئات السنية لنادي الوداد الرياضي ومنها إلى تدريب عدة فرق في أقسام الهواة، وعلى رأسها فريق المغرب التطواني، في مفارقة تلخص كيف أن المشهد الكروي الوطني لا يزال يفتقد لآليات احتضان أبنائه المكونين عالمياً.
