منذ اللحظة التي سلط فيها عبد الله بوانو رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، الضوء داخل لجنة المالية عن “اختلالات صفقات الأدوية” تجاوز الأمر مجرد تدخل عابر في سياق مناقشة مشروع قانون المالية لعام 2026 إلى الكشف عن ملف حساس وداخلي في جسم الدولة يلامس الأمن الدوائي للمغاربة وسلامة مساطر اقتناء أدوية تنقذ الأرواح وتشكل أحد أكثر القطاعات حساسية في السياسة العمومية.
ومع أن بوانو قدّم كلامه بصيغة مساءلة، فإن وقع التصريحات وما تلاها من ردود كشف منذ أيام أن الأمر أكبر من خلاف سياسي تقليدي وتحول إلى صدام حول حدود المحاسبة ومشروعية فتح خزائن قطاع يوصف منذ سنوات بـ”الصندوق الأسود”.
وما إن هدأت القاعة حتى كانت المعارضة قد التقطت الإشارة أن هذه لحظة لفتح تحقيق برلماني واسع إذ سارعت مكوناتها إلى المطالبة بتشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق حول صفقات الدواء، معتبرة أن لا سبيل إلى كشف الملابسات كاملة إلا عبر الآلية الدستورية الوحيدة التي تخوّل للبرلمان استدعاء المسؤولين والاطلاع على الوثائق وتقديم تقرير علني للرأي العام.
وبالنسبة للمعارضة، فإن النقاش لم يكن يتعلق بشركة فازت أو شركة خسرت، بل بمنظومة كاملة راكمت اختلالات تمتد لعقود، وأنتجت شبكة معقدة من المصالح، وتحتاج إلى تفكيك علني وشجاع بدل تبسيط الملف أو الاكتفاء بالتبريرات التقنية.
لكن الأغلبية الحكومية لم تبد مستعدة لفتح الباب، فعلى العكس، تماما بدا موقفها موحدا بشكل لافت إذ اعتبرت منذ البداية أن “الملف مُضخّم” وأن إثارة هذه القضية في هذا التوقيت توظف سياسيا وانتخابيا، خصوصا بعد دخول النيابة العامة على الخط.
بالنسبة لزعماء الأغلبية، فإن المسار القضائي يقطع الطريق على أي لجنة تقصي، كما أن التركيز يجب أن ينصب على الإصلاحات الجارية بدل الانجرار إلى صراعات سياسية قد تُغرق قطاع الأدوية في مناخ من الشك والتشكيك، وهذه الرسالة عبّر عنها بوضوح محمد شوكي، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، الذي قدم نفسه بوصفه “الممسك بالمعطيات” لا بالخطابات، فخلال رده على بوانو، كشف أنه وفريقه تتبعوا بدقة 53 طلب عروض منذ يناير 2023 صادرة عن مديرية الأدوية والمراكز الاستشفائية، وأنه تبين لهم أن شركة واحدة كانت الوحيدة المستوفية للشروط التقنية المطلوبة، فيما حصلت شركة ثانية على طلبين فقط، وأنه “لا وجود إطلاقا لشركة ثالثة” في العملية.
بالنسبة لشوكي، فإن “خطورة تصريحات بوانو لا تكمن في مضمونها فقط، بل في ما تُحدثه من أثر سلبي على مصداقية المؤسسات وسلامة المساطر القانونية”.
هذا الطرح مثّل جزءا من سردية الأغلبية التي تسعى إلى نقل النقاش من الشبهة والاتهام إلى مجال التقنية البحتة، إذا كانت شركة واحدة تملك القدرة الإنتاجية والشروط التقنية المطلوبة، فليس من المنطقي، في نظرها تحويل ذلك إلى ملف سياسي.
وذهبت الأغلبية إلى أبعد من ذلك حين قالت إن الحديث عن “الصفقات” بمعناها السلبي يفترض وجود تواطؤ أو خرق للمساطر، وهو ما لم تثبته المعارضة، بل لم تُقدم بشأنه معطيات ملموسة.
غير أن المعارضة ترى المسألة من زاوية أخرى، فهي لا تبحث بالضرورة عن “إدانة” بقدر ما تريد وضع كل شيء على الطاولة كيف تُصاغ طلبات العروض؟ من يتخذ القرار؟ كيف يُضمن التكافؤ داخل سوق دوائي معروف بتشعب مصالحه؟ وكيف تُصان حقوق المواطنين في الولوج إلى علاج آمن وبأسعار مناسبة؟ بالنسبة إليها، فإن لجنة تقصي الحقائق هي آلية الرقابة الوحيدة التي تتيح تجاوز توازنات الأغلبية والمعارضة لمعرفة “ما جرى فعلا”.
وتعتقد أن تعطيل هذا المسار يعكس خشية سياسية أكثر مما يعكس حرصا على المؤسسات، لأن فتح ملف الأدوية بهذه الجرأة وفي هذه المرحلة قد يربك تماسك الأغلبية وهي تدخل تدريجيا نحو مدار انتخابات 2026، حيث تتزايد الحساسية إزاء الخطابات القادرة على التأثير في الناخبين.
ما يعزز هذا الاعتقاد هو أن مواقف الأغلبية لم تكتفِ برفض اللجنة، بل ذهبت إلى تقديم تفسير بديل لما تعتبره “جوهر القضية” فقد أكد أحمد تويزي، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة، أن المطلوب اليوم ليس التحقيق في الماضي، بل دعم الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية بوصفها مؤسسة قادرة على “إعادة بناء القطاع من الأساس”.
ولم يتردد تويزي في تقديم صورة قاتمة عن الوضع السابق، مشيرا إلى أن مديرية الأدوية بوزارة الصحة كانت تشتغل بثلاثة موظفين فقط، ما جعلها عاجزة عن ضبط سوق دوائي معقد ومفتوح على مخاطر الأدوية المغشوشة والمنتهية الصلاحية. هذا الخطاب يعكس رغبة الأغلبية في تحويل النقاش نحو المستقبل إصلاح مؤسساتي شامل، موارد بشرية مؤهلة، إمكانات لوجستية قوية، ونظام رقابي صارم يمنع التلاعب والتلاسن السياسي، ويضع حدا لصراعات تتجاوز القطاع إلى حسابات سياسية وانتخابية.
لكن هذا المنطق يثير سؤالا أكبر حول إمكانية الشروع في بناء مؤسسة جديدة دون إجراء محاسبة حقيقية لما سبق؟ المعارضة تجيب بالنفي، فالإصلاح، في رأيها، لا يمكن أن يبنى على أرضية غامضة، ولا على ممارسات لم تُكشف خيوطها بشكل شفاف.
وبالنسبة لها، فإن الوكالة الجديدة، مهما كانت قوية، لا تستطيع وحدها مواجهة تركة ثقيلة من الاختلالات من دون كشف مسؤولياتها وتحديد طبيعة الشبكات التي أحاطت بالقطاع لعقود.
ولذلك، ترى أن منع البرلمان من ممارسة صلاحياته عبر لجنة تقصي يعني عمليا التنازل عن حق المجتمع في معرفة ما الذي جرى فعلا في مسار تدبير صفقات بملايين الدراهم، وفي قطاع تتداخل داخله الصحة العامة بالاقتصاد السياسي للدولة.
في خلفية كل هذه المواقف، يختبئ توتر سياسي لا يقل أهمية عن جوهر الملف نفسه فالمغرب يعيش دينامية سياسية متقدمة على أعتاب انتخابات 2026، حيث تحاول المعارضة أن تُظهر نفسها كحارس للنزاهة والشفافية، بينما تسعى الأغلبية إلى حماية استقرارها وتماسكها السياسي والبرنامجي، وتفادي أي ملف قابل للاستثمار الانتخابي.
قطاع الأدوية، بما يمثله من حساسية اجتماعية وصحية، يتحول في هذا السياق إلى ساحة لتقاطع السرديات سردية ترى في الإصلاحات الحالية فرصة تاريخية، وأخرى ترى أن إصلاحا بلا تقصي هو إعادة إنتاج للاختلالات نفسها داخل هياكل جديدة.
ومع أن الأغلبية تشير باستمرار إلى أن النيابة العامة تباشر تحقيقاتها، إلا أن هذا المعطى لا يمنع من طرح سؤال مركزي حول المسار القضائي إذا ما كان وحده كافٍ لإعادة بناء الثقة ومدى استطاعة المواطن أن يطمئن إلى منظومة دوائية تُدار بعيدا عن أعين المؤسسات الرقابية المنتخبة ثم هل يحق للبرلمان التنازل عن إحدى أقوى صلاحياته.
و يبدو أن المعركة لا تدور حول “من ربح طلبات العروض”، بل حول من يملك حق تعريف الحقيقة هل هي حقيقة تقنية تحددها دفاتر التحملات أم حقيقة سياسية تصوغها الأغلبية أم حقيقة مؤسساتية لا يمكن الوثوق بها إلا عبر لجنة تقصي الحقائق ونشر تقريرها للرأي العام.
