المغرب نيوز

غالي يُصفّي خصومه قبل مؤتمر البوليساريو.. إقصاءٌ لمنافسه بيد الله إلى منفى كوبا، وتمهيدٌ لخلافةٍ على المقاس لا تُزعج الجزائر

غالي يُصفّي خصومه قبل مؤتمر البوليساريو.. إقصاءٌ لمنافسه بيد الله إلى منفى كوبا، وتمهيدٌ لخلافةٍ على المقاس لا تُزعج الجزائر


تستعد جبهة البوليساريو لمؤتمرها المقبل، بينما يواصل زعيمها إبراهيم غالي، المتقدم في السن والذي لا تخفى معاناته الصحية، رسم خريطة التوازنات الداخلية على مقاسه، عبر خطوات محسوبة تهدف إلى تحييد الأصوات التي قد تعرقل إعادة انتخابه أو تُشكِّل بدائل محتملة لخلافته.

آخر هذه الخطوات كان تعيين إبراهيم أحمد محمود بيد الله، المعروف داخل الجبهة بلقب “غريغاو”، ممثّلا “دبلوماسيا” في كوبا، في ما يصفه مصحراويون معارضون للبوليساريو بأنه “منفى مرفّه” يُبعده عن المخيمات ويُخرجه من دائرة التأثير المباشر في قواعد الجبهة.

القرار الذي اتخذه غالي لا يبدو بريئا في عمقه، فالمعني بالأمر يُعد أحد الأسماء ذات الوزن داخل المخيمات، ويحظى بثقة جزء من شبابها وممثلي أكبر القبائل وإن كان يفتقد ثقة الجزائر، الداعم الرئيسي للبوليساريو، إلا أنه يشكل تهديدا حقيقيا لزعيم الجبهة الانفصالية نظير الشعبية التي تحظى بها شخصيته لما يمكن أن تُنافس بع غالي في المؤتمر، أو على الأقل تُعكّر صفو سيطرته على مسار الخلافة.

وإبراهيم أحمد محمود بيد الله، أو “غريغاو” كما يُعرف في الأوساط الداخلية، ليس مجرد قيادي عادي للجبهة الانفصالية فقد تولى لسنوات مواقع حساسة في الأجهزة الأمنية والعسكرية للجبهة، بما في ذلك مهام مرتبطة بالاستخبارات وتنسيق الميليشيات المسلحة، غير أن علاقته مع غالي توترت منذ فترة، حيث جرى تهميشه تدريجيا وإبعاده عن هذه المفاصل.

ورمزية الرجل تتضاعف لاعتبارات عائلية، فهو شقيق محمد الشيخ بيد الله، السياسي المغربي البارز والأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة، ورئيس مجلس المستشارين سابقا، الذي عاد إلى أرض الوطن وصار من أشرس المدافعين عن مغربية الصحراء، وهو المعطى الذي يزيد من حساسية موقعه، ويجعل وجوده داخل المخيمات مُثيرا لقلق القيادة الجزائرية التي تخشى من تقاطعات عائلية وسياسية تُضعف السيطرة المطلقة على القرار.

من جهة ثانية، فمنذ استبعاده من مواقع القرار، لم يتردد “غريغاو” في توجيه انتقادات علنية لخيارات إبراهيم غالي، خاصة منذ إعلان الجبهة في 13 دجنبر 2020 “استئناف الحرب” ضد المغرب عقب عملية الكركرات الميدانية التي نفذتها القوات المسلحة الملكية، ففي يونيو 2022 نشر مقالا حذّر فيه من توسع الجيش المغربي في ما تعتبره الجبهة “المناطق المحررة”، مشيرا إلى أن تلك المنطقة قد تتحول إلى “امتداد لجدار الرمال” المغربي، ما يعكس وعيا بخسائر استراتيجية للجبهة.

وهذا الموقف النقدي مثّل خروجا عن الخط الرسمي المتشدد للجبهة الانفصالية، بل وفتح الباب أمام تساؤلات عن جدوى استمرار “الحرب منخفضة الوتيرة” التي تستنزف المخيمات من دون مكاسب سياسية ملموسة.

وخطوة إبعاد بيد الله الذي يعد واحدا من مؤسسي الجبهة الانفصالية تأتي في سياق حساس، إذ تستعد الجبهة لعقد مؤتمرها المقبل في ظل تصاعد الأصوات الداخلية المطالبة بـ”تصحيح المسار” وتنظيم مؤتمر استثنائي يعيد النظر في الخيارات القيادية والسياسية.

ففي يناير 2023، خلال المؤتمر السادس عشر للبوليساريو، واجه إبراهيم غالي منافسة من البشير مصطفى السيد، شقيق مؤسس الجبهة الولي مصطفى السيد، وحصل الأخير على 31% من أصوات المؤتمرين مقابل 69% لغالي، فيما هذه النسبة اعتُبرت مؤشرا على وجود معارضة جدية داخلية، حتى وإن لم تُترجم إلى تغيير القيادة.

واليوم، ومع إبعاد “غريغاو”، لم يتبقَّ من الأصوات التي يمكن أن تلعب دور “المعارض الداخلي” سوى البشير مصطفى السيد نفسه، وهو ما يضيق هامش التعددية داخل المؤتمر المقبل.

من جهة ثانية، فإن استراتيجية إبعاد المنافسين عبر تعيينهم في مناصب “دبلوماسية” خارجية ليست جديدة في قاموس البوليساريو فهي تمنح المعنيين “وجاهة شكلية” عبر لقب “سفير” لكنها في الواقع تخرجهم من مسرح المخيمات، إذ تُصنع “الشرعية” عبر الاحتكاك المباشر بالشباب والقبائل بتندوف، حيث يتأجج الغضب يوما عن يوم.

ويبدو أن اختيار كوبا كوجهة لوضع بيد الله فيها من طرف غالي ليس اعتباطيا، فالعلاقة بين هافانا و”البوليساريو” تعود لعقود، ما يمنح المنصب غطاء من “الشرعية التاريخية”، لكنه في الوقت نفسه يضمن عزل “غريغاو” بعيدا عن البيئة الداخلية، ويُقلّص من قدرته على التأثير في المؤتمر أو في المزاج العام للمخيمات.

وهذه الخطوات لا تقتصر على حسابات داخلية ضيقة، بل ترتبط بأزمة شرعية مزدوجة تعيشها القيادة الحالية فمن جهة، تواجه البوليساريو تحديا داخليا متصاعدا من شباب المخيمات الذين أبدوا ضجرا من قيادة يعتبرونها عاجزة عن تقديم أي أفق سياسي أو اجتماعي ومن جهة ثانية، تتعرض الجبهة لضغوط خارجية متزايدة، مع تراجع الدعم الدولي التقليدي وتنامي الاعتراف بالمبادرة المغربية للحكم الذاتي هذه المعطيات تجعل إبراهيم غالي في موقع من يحتاج إلى “كسب الوقت” عبر ضبط البيت الداخلي قبل أي مواجهة مع المحيط الإقليمي والدولي.

ورغم أن نتائج مؤتمر 2023 منحت غالي 69% من أصوات المؤتمرين، فإن تصاعد الدعوات منذ 2024 إلى مؤتمر استثنائي “لتصحيح المسار” يثبت أن التفويض التنظيمي لم يعد كافيا لضبط الغضب المتنامي وهو ما يفسر إصراره على تقليص دائرة المنافسين وإبعاد الأصوات الناقدة، لضمان مؤتمر يُدار من دون مفاجآت لكن هذا المسعى يصطدم بواقع سياسي معقد وهو استمرار عزلة البوليساريو دوليا واقليميا، واتهامات متنامية بارتباطها ببيئات غير مستقرة في الساحل، وهو ما دفع القيادة إلى تكثيف خطابها الرسمي  في الآونة الأخيرة عن “الالتزام بالقانون الدولي الإنساني” و”رفض شيطنة نضالها”.

وبهذا، فإن تعيين “غريغاو” في كوبا هو خطوة سياسية محسوبة تعكس استراتيجية إبراهيم غالي في إدارة التوازنات داخل البوليساريو فيما الهدف الأساسي هو إفراغ المخيمات من أي شخصية قادرة على منافسته أو تعبئة القواعد ضده، وتحضير مؤتمر خالٍ من المفاجآت.

وإذا كان البشير مصطفى السيد قد نجح في السابق في لعب دور “المعارض الداخلي”، فإن غياب “غريغاو” أو بيد الله يُضعف أكثر أي إمكانية لتشكيل جبهة بديلة، فعمليا،  لا يمهّد غالي الطريق لخلافة ديمقراطية أو تجديد فعلي، بل يسعى لضمان أن تكون مرحلة ما بعده حين تحين انعكاسا لصورة نظام مغلق، مفرغ من التنوع ومحصّن ضد أي محاولة لإعادة رسم الاتجاه السياسي للجبهة مع الحفاظ على مزاج الجزائر جيدا.



Source link

Exit mobile version