المغرب نيوز

فنزويلا والوجه الصريح للهيمنة الأمريكية

فنزويلا والوجه الصريح للهيمنة الأمريكية


يتجلى التدخل الأمريكي في فنزويلا، خاصة خلال مرحلة دونالد ترامب، بوصفه مثالا مكثفا على الكيفية التي تعمل بها الهيمنة حين تنتقل من مستوى التأثير غير المباشر إلى مستوى إعادة تشكيل السيادة ذاتها. فالقضية لا يمكن حصرها في خطاب رسمي يتحدث عن الديمقراطية أو حقوق الإنسان، بل ينبغي فهمها ضمن سياق تاريخي أطول ترى فيه الولايات المتحدة أمريكا اللاتينية مجالا حيويا لنفوذها، وحديقة خلفية يجب أن تبقى منضبطة ضمن حدود المسموح سياسيا واقتصاديا.

من هذا المنظور، لم تكن فنزويلا مجرد دولة تعاني أزمة داخلية، بل حالة تمرّد رمزي ومادي على نظام دولي غير متكافئ، وهو ما جعلها هدفا مباشرا لسياسات العقاب والاحتواء. بحيث، يمكن قراءة هذا السلوك من خلال مفهوم «إرادة القوة» عند نيتشه، حيث لا تفهم القوة باعتبارها وسيلة لحماية القيم، بل باعتبارها المصدر الحقيقي لتلك القيم. فالقوة هي التي تحدد ما هو شرعي وما هو منحرف، ما هو عقلاني وما هو متطرف. في الحالة الفنزويلية، لم يكن الإشكال في وجود أزمة اقتصادية أو سياسية، بل في كون هذه الأزمة لم تدار وفق القواعد التي تضعها القوة المهيمنة. لذلك جرى التعامل مع فنزويلا كجسم يجب إخضاعه أو كسره، لا كفاعل سياسي مستقل.

وتكمن الخطورة هنا في أن العنف لم يمارَس في صورته العسكرية المباشرة، بل في شكل حصار اقتصادي وتجفيف للموارد، أي في شكل قوة «هادئة» لكنها أكثر فتكًا، لأنها تستهدف شروط الحياة نفسها.

مع وصول دونالد ترامب إلى السلطة، فقد هذا النوع من الهيمنة كثيرًا من لغته الدبلوماسية التقليدية. فترامب لم يكن مفكرا أيديولوجيا، لكنه عبّر بوضوح و بشكل صريح عما كانت الإدارات السابقة تمارسه بعبارات أكثر تهذيبا. لقد جرى الحديث العلني عن تغيير النظام، وعن شرعية بديلة تفرَض من الخارج، وعن عقوبات تقدّم بوصفها أداة ضغط مشروعة مهما كانت كلفتها الإنسانية. هنا تظهر الهيمنة في صورتها العارية أي لا حاجة إلى الإقناع الطويل، ولا إلى البحث عن ذريعة من أجل التدخل، بل يكفي الادعاء بأن القوة تملك الحق لأنها تملك القدرة. وبهذا المعنى، لم يكن سلوك ترامب انحرافا عن السياسة الأمريكية، بل لحظة كشف لها.

في العمق الأيديولوجي لهذا السلوك، تحضر أطروحة فوكوياما حول «نهاية التاريخ» بوصفها خلفية فكرية صامتة. فالعالم وفق هذا التصور، قد حسم خياره النهائي لصالح الليبرالية الغربية، وأي نموذج آخر لا يُنظر إليه كبديل مشروع، بل كخلل مؤقت أو انحراف يجب تصحيحه. هكذا قدمت فنزويلا كدولة خرجت عن مسار التاريخ، لا كدولة اختارت طريقا مختلفا. وهذا ما يبرر ضمنيا، نزع سيادتها، لأن السيادة نفسها تصبح مشروطة بالامتثال للنموذج المنتصر. فالشرعية لم تعد نابعة من الداخل، من الإرادة الشعبية مهما كانت تناقضاتها، بل من مدى الانسجام مع ما يُعتبر «النهاية الطبيعية» للتاريخ.

أما وفق منطق هنتنغتون، فرغم أنه يقوم على صدام حضاري واسع، إلا أنه يتسلل إلى الخطاب الأمريكي تجاه فنزويلا عبر آلية أبسط: صناعة العدو. فالنظام الفنزويلي لم يقدم فقط كنظام فاشل، بل كنظام خطير، مهدد للاستقرار الإقليمي، وحليف لقوى الاخرى «الصين و روسيا». بهذا الشكل، يُعاد تأطير الصراع من كونه صراعا سياسيا واقتصاديًا حول السيادة والموارد، إلى صراع أخلاقي بين «نظام مستبد » و«عالم حر». وهذه الثنائية تسهّل تعبئة الرأي العام، وتُسقط الأسئلة المعقدة حول دور العقوبات والتدخل الخارجي في إنتاج الأزمات.

غير أن الفهم الأعمق لاستمرار هذا النمط من الهيمنة لا يكتمل دون العودة إلى  غرامشي، الذي يبين أن السيطرة لا تقوم على القسر وحده، بل على إنتاج ما يسمى سيكولوجية القبول. ففي الحالة الفنزويلية، لم تكتفِ الولايات المتحدة بفرض العقوبات والضغوط، بل سعت إلى فرض سردية واحدة عن الواقع، تعاد إنتاجها عبر الإعلام العالمي والمؤسسات الدولية. تقدم الأزمة بوصفها نتيجة حتمية لسوء الحكم الداخلي، بينما يُمحى أثر الحصار الخارجي، ويُختزل الصراع في شخص أو نظام، لا في بنية هيمنة أوسع. وهنا تتحقق الهيمنة في أخطر صورها: حين يقتنع جزء من العالم، بل وجزء من الداخل نفسه، بأن التدخل الخارجي ضرورة، لا اعتداء.

و قد يذهب المدافعون عن هذا التدخل إلى القول إنه كان بدافع إنساني، أو بهدف إنقاذ الشعب الفنزويلي من الانهيار. لكن هذا الادعاء يصطدم بتناقض جوهري كيف يمكن لعقوبات تدمر الاقتصاد وتقيد الوصول إلى الغذاء والدواء أن تقدّم بوصفها أداة إنقاذ؟ إن هذا التناقض يكشف أن الخطاب الإنساني ليس سوى غطاء أخلاقي لإرادة السيطرة، وأن الديمقراطية تستخدم هنا كأداة ضغط لا كمبدأ كوني غير قابل للتجزئة.

إن تجربة فنزويلا، خصوصا في عهد ترامب، تكشف بوضوح أن الصراع في العالم المعاصر لم يعد يدور فقط حول من يحكم دولة ما، بل حول من يملك حق تعريف الشرعية، ومن يضع حدود السيادة، ومن يقرر أي النماذج السياسية يسمح لها بالوجود. وبين إرادة القوة عند نيتشه، والشرعنة التاريخية عند فوكوياما، ومنطق العدو عند هنتنغتون، والهيمنة الثقافية عند غرامشي، تتضح صورة نظام دولي تفرغ فيه السيادة من مضمونها، ويُطلب من الدول الضعيفة أن تقبل بذلك بوصفه أمرا طبيعيا، بينما يقدم الخضوع على أنه عقلانية، والمقاومة على أنها خروج عن التاريخ.



Source link

Exit mobile version