بين مليارات “الطريق السيار المائي” وخيام الإجلاء بالقصر الكبير..فيضان اللوكوس يعرّي فشل الحكومة في تدبير الماء كخطر ويكشف سياسة مائية تحارب العطش وتُهمل الغرق
حين ارتفعت مياه وادي اللوكوس وابتلعت أحياء واسعة من القصر الكبير، بدا المشهد لحظة كاشفة لاختبار حقيقي للسياسات العمومية المائية بالمغرب. فوسط مدينة غارقة ومستشفى أُخلي وأحياء فُرِّغت على عجل، عاد سؤال ظل مؤجَّلا لسنوات ليُطرح بقوة كيف يمكن لدولة راهنت على “الطريق السيار المائي” باعتباره إنجازا استراتيجيا للأمن المائي أن تعجز عن حماية مدينة معروفة تاريخيا بكونها نقطة سوداء في الفيضانات؟
للإجابة على هذا السؤال المشروع الذي وضعته “الصحيفة”، لا يكفي استحضار الخطاب الرسمي للحكومة، بل يجب معه تفكيك المشروع وأهدافه الحقيقية وحدوده التقنية ثم وضعه في سياقه السياسي والمؤسساتي مع العودة إلى السياسات العمومية في المجال بعيدا عن الانطباعات المتداولة.
المعطى الأول الذي تؤكده كل المصادر الرسمية التي اطلعت عليها “الصحيفة” هو أن ما يُعرف بـ”الطريق السيار المائي” لم يُصمَّم أصلا كأداة لمواجهة الفيضانات. فالمشروع، الذي انطلقت أشغاله نهاية سنة 2022 يندرج ضمن سياسة تحويل المياه بين الأحواض لمواجهة الجفاف وضمان التزويد بالماء الشروب خصوصا لمحور الرباط–الدار البيضاء إذ قدم المشروع كحل استعجالي لتفادي أزمة عطش كانت تهدد أكثر من حوالي 12 مليون مغربي.
تقنيا، يتكون المشروع في مرحلته الأولى من قناة فولاذية بطول يقارب 66 كيلومترا، تنقل المياه من حوض سبو نحو سد سيدي محمد بن عبد الله بحوض أبي رقراق والصبيب المعلن للتشغيل الكامل لا يتجاوز 15 مترا مكعبا في الثانية، أي ما يعادل في أحسن الأحوال 350 إلى 400 مليون متر مكعب سنويا، وفق المعطيات التي قدمها وزير التجهيز والماء نزار بركة وبالتالي فإن الأرقام، رغم ضخامتها في سياق تأمين الماء الشروب، تبقى محدودة جدا أمام ذروة فيضانية لوادٍ مثل اللوكوس، حين تتدفق كميات هائلة في وقت قصير وتتجاوز قدرة أي قناة تحويل مصممة للاشتغال المنتظم لا الطارئ.
المعطى الثاني، والأكثر حساسية، هو أن مدينة “القصر الكبير” ليست ضمن مجال اشتغال المشروع أصلا، فالطريق السيار المائي كما هو منفذ حاليا لا يربط حوض اللوكوس بأي حوض آخر ولا يتقاطع مع مجراه ولا يوفر أي آلية لتخفيف الضغط عنه عند بلوغ السدود حدها الأقصى.
الربط الذي يجري الحديث عنه في التصريحات الحكومية يخص سبو، أبي رقراق، ثم لاحقا أم الربيع، بينما ظل حوض اللوكوس خارج التنفيذ الفعلي، ولم يظهر إلا في دراسات أولية جرى الحديث عنها في 2025، وتسلط الضوء عن “مشروع في طور الدراسة” لربط أحواض لاو–لوكوس–سبو، دون أي جدول زمني أو التزام مالي واضح.
هذا التفصيل مهم، لأنه ينسف الفكرة الرائجة التي تعتبر أن الدولة كانت تملك أداة جاهزة لتحويل مياه اللوكوس ولم تفعل، فيما الحقيقة، وفق المعطيات التي تحصلت عليها “الصحيفة” هي أن الأداة غير موجودة أصلا وأن السياسة المائية اختارت منذ البداية التركيز على نقل الماء حيث الحاجة الاقتصادية والديمغرافية القصوى، لا حيث الخطر الهيدرولوجي الأكبر.
لكن هذا لا يعفي صانع القرار من المسؤولية، بل يفتح سؤالا أعمق هو: لماذا لم تُدمَج الفيضانات ضمن قلب السياسة المائية؟ فالقانون 36.15 المتعلق بالماء والمخطط الوطني للماء ووثائق وكالات الأحواض، تركز بشكل شبه حصري على التخزين، التعبئة، والتوزيع أما تدبير الفيضانات، فيُختزل غالبا في منطق السلامة الإنشائية للسدود.
وعندما يبلغ سد مثل وادي المخازن مستوى الامتلاء، تصبح الأولوية المطلقة هي حماية المنشأة ما يفرض تفريغات تقنية نحو المجرى الطبيعي، حتى وإن كان ذلك يعني إغراق مدينة تقع في المصب، وهذا تماما ما تؤكده قواعد تدبير السدود المعتمدة، وهو ما يفسر لماذا تتحول الفيضانات، في مدن مثل القصر الكبير، إلى “أثر جانبي” مقبول مؤسساتيا.
المفارقة أن “القصر الكبير” ليست حالة مجهولة المخاطر، فالمدينة تقع داخل سهل فيضاني تاريخي، ووادي اللوكوس معروف بطغيانه الدوري، ومع ذلك، لم تُنجز تهيئة شاملة لمجراه داخل المجال الحضري، ولم تُحدَّث خرائط الخطر بما يفرض قيودا صارمة على التوسع العمراني في المناطق المنخفضة، ولم تُنشأ مناطق امتصاص upstream تخفف الضغط في لحظات الذروة، كما هو معمول به في تجارب أوروبية معروفة.
وهذه الاختيارات أو بالأحرى غيابها ليست تقنية فقط، بل سياسية لأنها ترتبط بتكلفة نزع الملكية وترحيل السكان وتغيير أنماط التعمير وهي قرارات ثقيلة ظلت مؤجلة.
عند تفحص خريطة الاستثمارات العمومية، يظهر بوضوح أن مدنا مثل القصر الكبير بقيت خارج دائرة الأولويات الكبرى، إذ أنها ليست قطبا اقتصاديا وطنيا، ولا واجهة استراتيجية ولا مدينة مليونية، في المقابل، جرى تسريع مشاريع مائية ضخمة لحماية محاور مركزية، وهكذا، تشكلت فجوة مجالية واضحة.
فالدولة تستثمر بقوة لمنع العطش حيث الكثافة السكانية والاقتصادية الأعلى، لكنها تكتفي بإدارة الأزمات حين يتعلق الأمر بالفيضانات في مدن متوسطة.
من هذا المنطلق، تطرح أسئلة تفرض نفسها وهي: لماذا لم يُستعمل الطريق السيار المائي لحماية القصر الكبير؟ ولماذا صُممت السياسة المائية بطريقة تفصل بين “الماء كمورد” و”الماء كخطر”؟ ولماذا يُنظر إلى الفيضانات كحوادث محلية تُعالج بالخيام والإجلاء بعد وقوعها لا كتهديد بنيوي يستحق استثمارات وقائية مماثلة لتلك المخصصة للجفاف؟
من هذا المنطلق، حاولت “الصحيفة” استجلاء موقف المسؤولين المحليين بالقصر الكبير، وتواصلت مع عدد من المنتخبين والمسؤولين داخل الجماعة الترابية والقطاعات المعنية بتدبير الشأن المحلي قصد مساءلتهم حول غياب أي آلية وقائية لتخفيف أثر الفيضانات أو استحضار حلول استباقية في لحظة بلغ فيها وادي اللوكوس وسد وادي المخازن حدودهما القصوى.
غير أن هذه المحاولات قوبلت بالصمت أو بالاعتذار عن الإدلاء بأي توضيحات في الظرف الراهن. بعض من تم الاتصال بهم اكتفى بالقول إن “الوقت ليس مناسبا للمساءلة” معتبرين أن الأولوية القصوى في هذه المرحلة الحرجة يجب أن تنصب على إجلاء المواطنين وتأمين سلامتهم، لا على فتح نقاش حول المسؤوليات أو الاختيارات العمومية السابقة.
النتيجة التي تكشفها الوقائع واضحة، المشروع الذي قُدِّم كإنجاز استراتيجي أنقذ مدنا كبرى من العطش لكنه لم يكن يوما أداة لحماية مدن فيضانية مثل القصر الكبير، وهذا ليس خللا في السياسات العمومية بقدر ما هو اختيار سياسي مضمَر في ترتيب الأولويات من خلال اختيار جعل الماء حين يندر قضية سيادية كبرى، وحين يفيض أزمة محلية تُدار بمنطق الاستعجال.
وفي هذا الإطار، يذهب الخبير في الهيدرولوجيا وتدبير المخاطر محمد العباسي إلى أن سؤال لماذا لم يُحوَّل فائض اللوكوس لتفادي الغرق؟ الذي طرحته “الصحيفة” يكشف في العمق هشاشة المقاربة العمومية نفسها لأن الدولة بنت جزءا كبيرا من استراتيجيتها على منطق “تأمين الموارد” وليس “تصريف الخطر”.
ويوضح الخبير أن “الطريق السيار المائي” في نسخته المنجزة صُمِّم لنقل صبيب أقصى في حدود 15 م³/ث وبطاقة تحويل تصل إلى نحو 400 مليون م³ سنويا في إطار ربط سبو–أبي رقراق، وهي أرقام مفهومة في سياق محاربة العطش، لكنها “غير ذات معنى تقريبا” أمام منطق الفيضانات الذي تحكمه الذروة الفجائية للصبيب.
ويضيف أن وادي اللوكوس نفسه سجّل تاريخيا قيَما أعلى بكثير داخل المجال الترابي للقصر الكبير إذ تشير دراسة حول اللوكوس إلى أن صبيبا أقصى قدره 90 م³/ث تم قياسه بمنطقة القصر الكبير في شهر يناير (كمثال على حِدّة الارتفاعات المفاجئة)، بينما تتحدث دراسة أكاديمية حول حوض اللوكوس عن ذروة قصوى بلغت 3400 م³/ث بمحطة قياس “مْدوار” خلال فيضانات كبرى “وأمام هذه الرتبة من القيم، يصبح النقاش حول تحويلات صغيرة نسبيا خارج منطق الفيضان أصلا”
ومن هنا، يخلص الخبير إلى أن المشكلة ليست في عدم استعمال مشروع التحويل لحماية القصر الكبير بل في غياب سياسة وقائية موازية تُعامل الفيضانات كخطر بنيوي يستحق أدواته الخاصة من خلال أحواض احتجاز مؤقت أعلى الحوض، تهيئة مجرى الوادي داخل المدينة، ومناطق امتصاص، ونُظم إنذار مبكر، بدل الاكتفاء بمنطق “الإجلاء بعد فوات الأوان”.
وهكذا فإنه في القصر الكبير، لم تفضح الفيضانات فقط هشاشة البنية التحتية، بل كشفت حدود سياسة عمومية لم تحسم بعد علاقتها بالمخاطر المناخية المتطرفة وبين مشروع ينقل الماء على امتداد عشرات الكيلومترات، ومدينة تُغرقها مياه واديها، يتأكد أن السؤال سياسي بامتياز أي مغرب نريد حمايته حين يتغير المناخ، ومن يُترك ليواجه الماء وحده؟.
