المغرب نيوز

في ظل الخلاف الإسباني الأمريكي.. هل ينقل ترامب قواته من قاعدة “روتا” العسكرية إلى قاعدة “القصر الصغير” شمال المغرب؟

في ظل الخلاف الإسباني الأمريكي.. هل ينقل ترامب قواته من قاعدة “روتا” العسكرية إلى قاعدة “القصر الصغير” شمال المغرب؟

تشهد العلاقات السياسية بين الولايات المتحدة وإسبانيا والمغرب مرحلة من إعادة التقييم الاستراتيجي العميق في ظل الصراع المباشر مع إيران والحرب المشتعلة في الشرق الأوسط.

ومع تعقد العلاقة بين حكومة بيدرو سانشيز والرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الحرب على إيران، يبرز التساؤل حول إمكانية واشنطن نقل عملياتها من قاعدة “روتا” العسكرية التي توجد بإقليم “قادس” جنوب غرب إسبانيا إلى السواحل المغربية كأحد أكثر الملفات تعقيدا وحيوية في ميزان القوى المتوسطي.

وتأتي تصريحات السيناتور الأمريكي البارز ليندسي غراهام والانتقادات الحادة للرئيس دونالد ترامب للحكومة الإسبانية، متماشية مع هذه التوجهات لتشعل شرارة أزمة ثقة عميقة، بين مدريد وواشنطن.

ومع تكرار الحكومة الإسبانية رفضها استخدام قاعدة “روتا” كنقطة انطلاق أو دعم لوجيستي في الحرب الحالية ضد إيران، بدعوى الحفاظ على سيادتها وتجنب الانخراط في نزاع إقليمي مباشر، وجدت واشنطن نفسها أمام مأزق عملياتي حقيقي وجدل حول مدى جدوى تواجد قواعدها العسكرية في اسبانيا تحديدا.

تمنح الاتفاقية الدفاعية الثنائية بين إسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية الموقعة عام 1988 والمعدلة لاحقا لتنظيم الوجود العسكري الأمريكي في إسبانيا، مدريد حق الفيتو على نوعية العمليات المنطلقة من أراضيها، وهو ما يراه “صقور واشنطن” قيدا لا يمكن القبول به في ظل “حالة الحرب” الحالية. وتشير الأرقام إلى أن قاعدة “روتا” تستضيف حاليا نحو 6000 عسكري أمريكي وعائلاتهم، وتعتبر قلب نظام الدفاع الصاروخي “Aegis” لحلف الشمال الأطلسي “الناتو” في أوروبا.

وتتواجد القوات الأمريكية في إسبانيا ضمن “اتفاقية مدريد” الموقعة بتاريخ 23 شتنبر 1953، وهي الوثيقة الأساسية التي سمحت للولايات المتحدة باستخدام قاعدة “روتا” العسكرية. وجاءت هذه الاتفاقية في سياق الحرب الباردة، حيث وقعها نظام فرانسيسكو فرانكو مع إدارة الرئيس الأمريكي حينها دوايت أيزنهاور. وبموجبها، حصلت إسبانيا على مساعدات اقتصادية وعسكرية مقابل السماح لأمريكا بإنشاء واستخدام أربع قواعد عسكرية على أراضيها، من أبرزها قاعدة روتا البحرية.

هذه الاتفاقية تم تعديلها أكثر من مرة، وكان أخر تحديث لها يخص زيادة عدد المدمرات الأمريكية المرابطة في القاعدة من 4 إلى 6 مدمرات مجهزة بنظام “Aegis”، لكن مع وجود هذه الامتيازات للجيش الأمريكي للتواجد فوق الأراضي الإسبانية، هناك ضمن الاتفاقية المعدلة بنود سيادية وضعتها إسبانيا ضمن مفهوم “الاستخدام المشترك”، وهي النقاط التي تسببت في التوترات الدبلوماسية الأخيرة خلال حرب إيران، بعد أن رفضت مدريد استخدام القواعد المتواجدة في البلاد لتكون قاعدة لإقلاع الطائرات الأمريكية لضرب طهران، لأن هذه الحرب، وفق الحكومة الإسبانية، لا تندرج تحت مظلة حلف الناتو ولا تخدم الدفاع الوطني الإسباني، وليست بتفويض أممي، وهو ما أغضب الجانب الأمريكي.

في ظل كل هذه التعقيدات والخلاف بين حكومة بيدرو سانشيز والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يعاد النقاش حول قاعدة “القصر الصغير” البحرية شمال المغرب، التي تعد القاعدة الخامسة للقوات البحرية الملكية، كمرشح أول لتعويض القاعدة الإسبانية في استقبال التواجد الأمريكي، من جنود وقطع بحرية، وطائرات مروحية، ورادارات عسكرية.

القاعدة البحرية العسكرية “القصر الصغير” شمال المغرب

تقنيا، تتميز قاعدة “القصر الصغير” التي افتتحت سنة 2010 بموقع فريد على مضيق جبل طارق، وهي القاعدة الوحيدة في المنطقة المصممة بمعايير متطورة، حيث تم حفرها في الصخر ومحاطة بتضاريس توفر لها حماية طبيعية عالية ضد الهجمات الصاروخية التقليدية، في حال أي خطر.

كما تقع القاعدة عند أضيق نقطة في المضيق، مما يمنحها قدرة فائقة على مراقبة وحماية حركة الملاحة بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، ويمكن لموقعها الاستراتيجي منح السفن الأمريكية فرصة التوقف اللوجستي قبل دخول المتوسط أو عند مغادرته، مما يعزز سرعة الانتشار في إفريقيا والشرق الأوسط.

لكن في ظل كل هذه المميزات، يظل العائق الوحيد للتردد الأمريكي في نقل قاعدته من “روتا” بإسبانيا إلى “القصر الصغير” شمال المغرب” هو “عامل الزمن”، وكلفة هذا التغيير الاستراتيجي، حيث يتطلب تحويل القاعدة البحرية المغربية إلى نسخة طبق الأصل من “روتا” الإسبانية ما لا يقل عن 5 إلى 7 سنوات من العمل الإنشائي المتواصل، مع استثمارات تقدر بـ 15 إلى 20 مليار دولار لتطوير البنية التحتية لتوسعة الرصيف الحربي من أجل استيعاب حاملات الطائرات من طراز “جيرالد فورد”، وهي الكلفة المالية التي يمكن لواشنطن استثمارها كما فعلت في قواعدها بالخارج بما فيه قاعدة “روتا”، جنوب إسبانيا.

ولجعل القاعدة المغربية مركز قيادة وسيطرة، تحتاج لربطها بالأقمار الصناعية العسكرية الأمريكية ونظام “Aegis”الصروخي الذي يدار بشكل مشترك مع حلف “الناتو”، مع تشييد منشآت لوجيستية، من خلال بناء مستودعات وقود عملاقة وورش صيانة للمدمرات المتطورة، وكلها عوامل تعد بمثابة عائق لاتخاذ واشنطن هذه “الخطوة الجريئة”.

تعد “روتا” حاليا، قاعدة لـ 4 مدمرات من طراز Arleigh Burke مزودة بنظام “Aegis”، وسرب من مروحيات “سي هوك” (MH-60R)، ونقل هذه القطع إلى المغرب يعني وضع نظام الدفاع الصاروخي لحلف “الناتو” تحت إشراف حليف استراتيجي، لا يضع قيودا سيادية مماثلة لتلك التي تضعها مدريد في مواجهة التهديدات الإيرانية.

قاعدة “روتا” العسكرية بمنطقة “قادس” جنوب إسبانيا

كما أن نقل القاعدة إلى المغرب سيؤدي إلى انقلاب جذري في موازين القوى، من خلال إضعاف الدور الإسباني، حيث ستفقد مدريد أهم ورقة ضغط سياسي وعسكري لديها تجاه واشنطن وحلف شمال الأطلسي، مع تمكين المغرب من وضع متقدم ضمن أولويات واشنطن للحلفاء خارج الناتو، واعتباره ركيزة أمنية في إفريقيا والمتوسط، مما يعزز موقفه في ملفات السيادة الإقليمية.

ومثل هذه الخطوة، لا شك ستوفر للمغرب موقعا ضمن حلفاء واشنطن الأساسيين في العالم، وتمنح أيضا مساحة مناورة أوسع للقوات الأمريكية بعيدا عن البيروقراطية الأوروبية، وهو ما قد يعني تغييرا استراتيجيا في المنطقة، خصوصا وأن الخيار الأمريكي بنقل القاعدة لم يعد مجرد “تهديد سياسي”، بل أصبح، وفق الكثير من “صقور واشنطن” ضرورة عسكرية تفرضها الحاجة إلى “حرية الحركة” في النزاعات الكبرى.

ويبقى تطور الخلاف الإسباني الأمريكي حول الخيارات الاستراتيجية محدد أساسي في مصير القواعد الأمريكية في إسبانيا، ومنها قاعدة “روتا” التي بدأت تدخل في سياق الجدل الدائر بين مدريد وواشنطن مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، وحاجة القوات الأمريكية إلى قواعد عسكرية مرنة في التعامل مع التحديات الأمنية الدولية.

ووسط كل هذا الجدل تظل خيارات المغرب رهينة بمدى مصالحه بجلب قواعد أمريكية إلى ترابه، حيث سيظل التفاوض على أي خطوة كفيل بتحديد خيارات المملكة في الصراع الجيوسياسي في المتوسط، وتحديدا بمضيق جبل طارق الاستراتيجي.



Source link
Exit mobile version