عبّر عضو مجلس النواب الليبي جبريل أوحيدة عن “ارتياحه الكبير” للقرار الأممي الأخير الصادر عن مجلس الأمن بخصوص الصحراء، معتبرا أنه يشكّل “لحظة تاريخية” أنهت فعليا مسارا طويلا من التوتر السياسي، وفتحت الباب أمام مقاربة جديدة تعيد ترتيب التوازنات في شمال إفريقيا والمنطقة المغاربية والعربية ككل.
أوحيدة، وفي تصريح خصّ به “الصحيفة”، قال إنه “يهنئ الأشقاء في المغرب على طي ملف الصحراء”، مؤكّدا أن هذا التطور لا يمثل مجرد انتصار دبلوماسي للمغرب، بل ولادة مرحلة سياسية جديدة تُتيح لشعوب المنطقة فرصة حقيقية للخروج من دائرة الصراعات المستنزِفة.
وأضاف أنه “يتمنى للمغاربة حيثما وجدوا حياة كريمة تسودها العدالة والوحدة الوطنية والاستقرار، بعيدا عن الفتن والمؤامرات الخارجية” في إشارة إلى حجم التدخلات الأجنبية التي غذّت هذا النزاع لسنوات طويلة.
وخلال حديثه لـ”الصحيفة” حيّا البرلماني الليبي ما وصفها بـ”السلطة المغربية الحكيمة” التي نجحت، وفق تعبيره، في إدارة ملف بالغ الحساسية على مدى عقود، مبينا أن الرباط استطاعت أن تجمع بين الوضوح السياسي والدبلوماسية الهادئة، وبين المبادرة الاستباقية والاشتغال المستمر على بناء دعم دولي واسع لمقترح الحكم الذاتي.
ويرأى أوحيدة أن هذا النجاح لم يكن وليد اللحظة، بل ثمرة رؤية متدرجة اشتغلت عليها المؤسسة الملكية المغربية منذ سنوات، إلى أن تُوّجت بقرار دولي قوي يحمل دلالات سياسية واضحة.
وأكد أن قدرة المغرب على إقناع القوى الكبرى في مجلس الأمن بجدوى ومصداقية الحكم الذاتي تعكس نضجا سياسيا ومؤسساتيا، مشيرا إلى أن اعتماد القرار بهذا الشكل يعكس حجم المتغيرات التي يشهدها النظام الدولي، ووعي القوى العالمية بأهمية الاستقرار في المنطقة المغاربية وشمال إفريقيا في ظل التهديدات المتصاعدة في الساحل والشرق الأوسط.
وفي أبرز رسالة سياسية تضمّنها تصريحه، دعا جبريل أوحيدة السلطات الجزائرية إلى إعادة النظر في موقفها من النزاع، معتبرا أن المرحلة تتطلب “تغليب لغة الحكمة والتعاطي الإيجابي مع حسن النوايا المغربية”.
وشدد على أن استمرار الجزائر في النهج الحالي لن يخدمها داخليا ولا إقليميا، خاصة أن النزيف المالي والسياسي والعسكري المرتبط بالصراع استنزف مقدرات كبيرة كان بالإمكان توجيهها إلى التنمية، وتحسين الخدمات، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
وقال أوحيدة إن المصلحة العامة لدول المنطقة تفرض اليوم الانتقال من سياسة الاصطفاف والتصعيد إلى سياسة عقلانية مبنية على التعاون، مضيفا أن الانغلاق وتعطيل الحوار يفتح الباب أمام قوى خارجية تستفيد من التوتر وتستثمر فيه، خصوصا في لحظة إقليمية هشة تشهدها المنطقة العربية من ليبيا إلى اليمن ومن الساحل إلى شرق المتوسط.
وتوقف البرلماني الليبي عند البعد المغاربي للنزاع، مؤكدا أن استمرار الخلاف بين الجزائر والمغرب يعمّق الانقسام داخل المنطقة ويُضعف قدرتها الجماعية على مواجهة التهديدات الأمنية والاقتصادية.
ودعا في هذا الإطار، إلى خلق دينامية مغاربية جديدة تُعيد ربط دول المنطقة اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، باعتبار ذلك شرطا ضروريا لقطع الطريق أمام “المؤامرات الخطيرة التي تشهدها المنطقة العربية” على حد تعبيره.
ويرى أوحيدة أن تفعيل الحكم الذاتي في الصحراء تحت السيادة المغربية من شأنه يمهد الطريق لفتح صفحة جديدة في العلاقات المغاربية، ويضع أسسا لمشروع تكامل إقليمي طال تعطيله رغم الإمكانات البشرية والاقتصادية الهائلة التي يزخر بها فضاء المغرب الكبير.
وأكد البرلماني الليبي أن القرار الأممي الأخير ليس فقط تتويجا لمسار مغربي، بل أيضا فرصة أمام كل الأطراف لإعادة ترتيب الحسابات السياسية، والعودة إلى منطق المصالح المشتركة.
وقال إن طي النزاع عمليا سيُسهم في إعادة تعريف موازين القوى في المنطقة، وسيوفّر بيئة أكثر استقرارا لنمو التجارة، وتوسيع الاستثمارات، وتحسين التعاون الأمني الذي أصبح ضرورة لا خيارا.
وفي ختام حديثه، شدّد جبريل أوحيدة على أن المرحلة المقبلة تتطلب “إرادة سياسية صادقة” مؤكدا أن الملف لم يعد يحتمل مزيدا من التوظيف الإيديولوجي، وأن الشعوب المغاربية تتطلع إلى اختراق جديد يُخرج المنطقة من حالة الجمود ويفتح أفقا مشتركا للتنمية والسلام.
وكان الملك محمد السادس قد دعا في خطابه عقب قرار مجلس الأمن إلى فتح قنوات الحوار المباشر مع الجزائر، في استمرار لنهجه الثابت القائم على اليد الممدودة، وهو الموقف الذي شدّد عليه في أكثر من مناسبة خلال السنوات الأخيرة.
وقد ذكّر العاهل المغربي بأن الدعوة إلى الحوار ليست جديدة، بل امتداد لنداءات متتالية عبّر فيها عن استعداد الرباط لبحث كل الإشكالات بروح الأخوّة والمسؤولية، بعيدا عن التوترات ومنطق القطيعة.
وأعاد عاهل البلاد التأكيد على دعوته لساكنة مخيمات تندوف بالعودة إلى وطنهم الأم، مشيرا إلى أن جميع أبنائه سواسية في الحقوق والواجبات، وأن مبادرة الحكم الذاتي تمثل الإطار العملي الذي يضمن لهم المشاركة الكاملة في تدبير شؤونهم والتنمية داخل أقاليمهم الجنوبية.
