عندما أطلق الحكم فكتور غوميز حكم نهائي كان المغرب 2025 الذي جمعت مقابلته النهائية بين المغرب والسنغال، معلناً فوز مُثير للسنغال على المغرب بهدف دون رد، بعد أحداث شغب من الجمهور السنغالي وتمرد وخبث كروي من الفريق السنغالي على ضربة جزاء مشروعة للمغرب، امام انظار رئيس الفيفا والكاف، لحظتئد كان الزمن متوقف، المشاعر متكلسة، الانفعالات باردة، لدى 66 ألف مشجع في الملعب، ومن خلفهم 40 مليون مغربي.
استغرق هذا الثقب الأسود النفسي الجماعي ليلة كاملة، حتى استفاق المغاربة على صور وفيديوهات توثق احتفالات جماهير في الجزائر ومصر وغزة والعديد من دول غرب افريقيا، البرازيل، نكاية في المغرب.
الموقف الذي صدم شريحة واسعة من المغاربة وفجّر فيهم نزعة غير مسبوقة من العداء للأخر والتمركز حول الذات، ونبذ الاخر والاحتماء بمقولة للمفكر المغربي الكبير عبد الله العروي حول ان المغرب جزيرة.
يمكن أن نسمى المشهد جِزافاً بالصدمة النفسية الجماعية، صدمة تناسَلت من رحِمها تساؤلات مُريبة.
هل هذا هو جزاءنا على تنظيم أحسن نسخة في تاريخ الكان؟
هل إلى هذه الدرجة يكرهننا اشقائنا العرب والافارقة؟
في المقابل، من أين جاء الجمهور السنغالي والمدرب بكل هذه الجرأة لكي يعلنوا تمرداً وسط الالاف من الجمهور المغربي، في قلب العاصمة الرباط.
وثالثة الأثافي، لِما كل هذا المكر من الجمهور والاعلام الجزائري ثم من رئيس الجامعة الكاميروني صامويل ايطو والتصريحات المستفزة لمدرب المنتخب المصري والجنوب الافريقي والنيجيري والسنيغالي.
نحتاج الى العودة الى المعرفة العلمية، خصوصا الأدوات النظرية لعلم الاجتماع السياسي وعلم النفس الاجتماعي والجيوبولتيك لكي نفهم ما وقع وسيقع من زاوية انعكاسية باردة، وليس تفاعل عاطفي، وقد نجد جزء من التفسير في أدبيات العلوم السياسية.
ففي فجر يوم 31 يناير 1990 وقف 5000 مواطن سوفيتي أمام الفرع الأول لمجموعة مطاعم مكدونالد في ميدان بوشيكنسكايا في موسكو لأكثر من 10 ساعات للحصول على وجبة ماكدونالد.
وفي ذاك اليوم الثلجي من أيام موسكو كان هناك 30 ألف مواطن سوفيتي مؤمن بنهاية الرأسمالية تحت اقدام دكتاتورية البروليتارية قد تذوق طعم الرأسمالية الجشعة، وتمتع بالمداق الفريد للعولمة على شكل قنينة كوكاكولا باردة.
لهذا لم يتفاجأ المتخصصون بعد سنة من ذلك عندما انهار الاتحاد السوفياتي، وهو قوة العسكرية الثانية في العالم لحظتها، لان الانهيار كان قبل ذلك نفسي وثقافي، ونجع الغرب امبريالي بزعامة أمريكا، عبر الاعلام والسينما والفن، من غزو السوفيات في عقر الدار، وتفكيك النموذج الشيوعي في عقل ووجدان المواطن الروسي، قبل أي طلقة نارية أو صاروخ نووي.
من حق القارئ طرح تساؤل بريء، ما علاقة سياق انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي مع ما وقع بعد نهاية كأس أفريقيا…؟
الجواب يمكن في الديناميكيات النفسية التي حَسمت معركة سياسية من حجم الحرب الباردة.
فقد نجح الاعلام القوي الأمريكي والسينما في شيطنة الانسان السوفياتي في عقل السوفيات أنفسهم، فمابالك بمواطني العالم الغربي.
وهذا هو المدخل لكي نفهم ما وقع بالظيط.
لقد تحركت الديناميات النفسية الثقافية خلال هذه التظاهرة الرياضية بشكل قوي وغير مسبوق، ووقَعت صدمة المغرب على غِرار صدمة الغرب التي وثقها رفاعة الطهطاوي في كتابه ” تلخيص الابريز ” معلناً انبهاره بالمنجز الحضاري الغربي.
ففي الوقت الذي كان المغرب منهمكاً بتقديم أحسن الظروف لتنظيم الكان، والعمل على تسويق ذلك بشكل مُكتف، يتجاوز تنظيم الكان، كان الاقرَان في حالة استفزاز حقيقي، معتبرين التشدد المغربي في رفع مستوى التنظيم والبنيات التحتية هي حركة تعالي وتكبُّر على فضاء افريقي مستأنس مع المستنقعات ولا نظام والفرحة العفوية الخالية من مؤشرات النمو والنظام والحسابات الاقتصادية.
لقد شعَر الاخوة الافارقة أن المغرب يقدم جُرعة غير مرغوب فيها من الحداثة الرياضة التي ليست موجودة الا في الغرب.
حداثة عقلانية صارمة وقاصية ومُستفزة لباقي الدورات التي يوف تجد نفسها مع مقارنة مرجعية صعبة، هي دورة المغرب 2025.
حرص المغرب على تقديم 7 ملاعب بمعايير عالمية، وتمكين كل منتخب من فندق فخم، ملعب تداريب خاص وظروف راحة غير مسبوقة، كان وقع ذلك على المنتخبات الأفريقية المشاركة انه تعالي غير مفهوم وتكريس معكوس للنظرة الاستعمارية المتعالية.
مما عزز عقدة الدونية لدي الافارقة السود والتي تتحول الى حالة تمرد بطولي ضد حالة قهر متوهمة، وحالة ظلم محتمل، اقتناع جماعي ان المغرب يستعمل إمكانيات مالية لشراء الجميع وحيازة الكأس بالقوة.
اذن نحن امام انتفاضة نفسية وفق ما يسميه جورج بالانديه في كتابه الموسوم بالمعنى والقوة بمتلازمة الفُصام الجغرافي.
أي أن المنتمي جُغرافياً الى فضاءات متخلفة وضعيفة ومُهمشة دائماً ما يحتمي بهذه السكيزوفرنية في مواجهة الاخر الذي في مخيله ينتمي الى فضاء جغرافي أرفع وأغنى.
وإلا كيف نُفسر نفس اللغة والاشارات حول استعمال المال من طرف الجمهور الجزائري ومدرب تنزانيا، تلميحات مدرب مصر والسنغال… اليس هذا إحساس وصل الى درجة الحس المشرك بغلة بيير بورديو.
بالمقابل كان هناك اتجاه نفسي جماعي لذا كل المغاربة، لاعبين وجمهور واعلام، على ان الكأس مغربية.
هذه النقطة بالضبط كان ارتكاز الحملات الإعلامية المركزة خصوصا في السوشال ميديا، والتي خلقت انحياز معرفي لدى كل الفرق المشاركة على ان الحكام بالضرورة مع المنتخب المغربي، وان هناك غياب للتنافس المشروع.
وما يفسر حالة السكوت الجماعي بعد خسارة الكأس هو عدم استيعاب ما وقع، وعدم فهم حالة العزلة الشعورية وخذلان الجماهير العربية التي شعر بها المغاربة، بعد أن كان هناك احتضان في كأس العالم في قطر وكأس العالم لشبان في الشيلي.
هناك نظرية في علم النفس الاجتماعي تفسير لماذا يتم التعاطف مع الضعيف ضد القوي، خصوصا إذا تمكن الضعيف من تسويق مظلوميته بشكل فعال.
هذا ما وقع مع انقلاب الرأي العام العالمي على إسرائيل بعد حرب طوفان الأقصى، وهو نفسه الذي وقع مع المغرب في مواجهة السينغال، فلم يعد المنتخب المغربي مجرد مفاجئة عابرة في بطولة دولية، بل كرس هيمنة مطلقة على الألقاب، في كافة الأنواع، واخرها الفوز بكأس العرب بالفريق الثالث.
إن المغاربة بعد هذه التجربة في اتجاه نحو الفِطام العاطفي مع الخطابات الشعوبية التي تتأسس على شعارات مثل العروبة والإسلام والانتماء الى الأرض. التي اثبت زيفها.
سوف تتجه النفسية العامة نحو هوية وطنية فردية لا تحتاج التقرير من أحد، فهل عندما تفوز المانيا بكأس العالم تنتظر التصفيق والدعم من هولاندا أو النمسا … نفس الامر بالنسبة للبرازيل وفرنسا، لا ينظرون أحد…
لقد كشفت الكرة عن عمق المشروع التنموي المغربي القائم على الاقتصاد والتنمية المجالية وليس على التاريخ والجغرافية والهويات الزائفة.
وما القادم من الأيام الا تنافس محموم على التموقع، النفود وتعزيز عوامل القوة الصلبة والناعمة.
