كشف وزير العدل عبد اللطيف وهبي أن العدالة التصالحية تمثل “تحولاً جوهرياً في الفكر القانوني” يقوم على جبر الضرر وإشراك الضحية بدل الاقتصار على العقاب، غير أن تأكيده على ضرورة “تفعيلها على مستوى الممارسة” عكس، في المقابل، استمرار التعثر في تنزيلها ميدانياً، رغم توسيع نطاقها وتبسيط مساطرها قانونياً.
وجاءت المسطرة الجنائية الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ قبل شهرين، بمستجدات هامة على مستوى العدالة التصالحية، غير أن تفعيلها لا يتم على أرض الواقع، وهي آلية من شأن إعمالها التخفيف من الاكتظاظ التي تعرفه السجون حاليا، و كذلك تخفيف العبء عن كاهل المحاكم، ناهيك عن غاية تحقيقها لهدف أسمى يتمثل في تعزيز السلم المجتمعي وترسيخ قيم التسامح والمسؤولية المشتركة.
وفي جوابه عن سؤال كتابي وجهه رئيس فريق الأصالة والمعاصرة أحمد التويزي، شدد الوزير على أن العدالة التصالحية تمثل “تحولاً جوهرياً في الفكر القانوني المعاصر”، موضحاً أنها “تنتقل بمفهوم العدالة من مجرد عقاب انتقامي تنفذه الدولة، إلى مسار إصلاحي يرتكز على جبر الضرر وإعادة التوازن للعلاقات الاجتماعية”.
ويؤكد وهبي، ضمن جوابه، أن هذه الآلية “تمنح الضحية دوراً مركزياً في صياغة الحلول لضمان تعويضها مادياً ومعنوياً”، مقابل “إلزام الجاني بتحمل المسؤولية المباشرة عن أفعاله”، معتبراً أنها تسهم في “تخفيف العبء عن كاهل المحاكم ومواجهة ظاهرة اكتظاظ السجون”.
على المستوى التشريعي، أبرز الوزير أن المشرع المغربي عمل على تطوير آلية الصلح من خلال تعديل قانون المسطرة الجنائية، خاصة عبر المادتين 41 و1-41، معتبراً ذلك “حلاً أسلم لحسم الخصومة بين الأطراف وجبر الضرر وترسيخ ثقافة التسامح”.
ومن بين أبرز المستجدات التي حملها التعديل، وفق المصدر نفسه، توسيع دائرة الجرائم القابلة للصلح لتشمل جنحاً أوسع، بما فيها بعض الجرائم الشائعة، وتمكين النيابة العامة من المبادرة إلى اقتراح الصلح أو دعوة الأطراف إليه، وإقرار إمكانية الصلح أمام قاضي التحقيق، وتبسيط المسطرة عبر الاستغناء عن مصادقة القاضي على الصلح، واعتماد الصلح كآلية يمكن أن تضع حداً للدعوى العمومية أو لتنفيذ العقوبة، إضافة إلى إمكانية “إيقاف تنفيذ العقوبة السالبة للحرية” في حالة التنازل وأداء الغرامات.
ورغم هذا التراكم التشريعي، لم يُخفِ وزير العدل أن التحدي الحقيقي يكمن في التنزيل، حيث أقر بشكل ضمني بضعف التفعيل، مؤكداً أن “تفعيل العدالة التصالحية في ظل المجهود الذي بُذل لتأطيرها تشريعياً يقتضي تفعيلها على مستوى الممارسة”.
وأضاف أن ذلك “يتطلب جهداً من طرف المرتفقين والمحامين والقضاة كل من زاوية تدخله”، في إشارة إلى أن مسؤولية التعثر لا ترتبط فقط بالنصوص، بل أيضاً بثقافة الممارسة القضائية وآليات الاشتغال داخل المحاكم.
ولفت وهبي إلى مشروع مراجعة مجموعة القانون الجنائي الذي =يتضمن تعديلا مهما حيث ينص على أن “الصلح أو التنازل يترتب عنه صراحة في حالة الجرائم التي ترتبط بالأمن والنظام العام للدولة وقف الدعوى العمومية في جميع مراحلها”.
وأشار إلى أن القانون الجديد المتعلق بمدونة التجارة “كرس في إطار تعديل القواعد الناظمة للشيك الصلح الجنائي خلال جميع مراحل الخصومة الجنائية بما فيها مرحلة تنفيذ العقوبة، بحيث أصبح يترتب عن الأداء أو التنازل عن الشكاية عدم تحريك الدعوى العمومية أو سقوطها حسب الحالة، وإذا وقع الأداء أو التنازل بعد صدور مقرر قضائي غير قابل للطعن، فإنه يضع حدا لآثار هذا المقرر الصادر بالمؤاخذة”.
وشدد على أن “تفعيل العدالة التصالحية كخيار استراتيجي يجعل منها رافعة لإصلاح السياسة الجنائية وتحقيق التوازن بين حق المجتمع، وحق الضحية، وفرصة الجاني في الإصلاح، وتخفيف العبء عن القضاء والمؤسسات السجنية”.
