في سبتة المحتلة، تتواصل فصول مأساة الهجرة غير النظامية بوجهيها المتناقضين: مهاجرون يغادرون أحياء نحو شبه الجزيرة الإيبيرية، وآخرون يفقدون حياتهم في الطريق، لتتحول أجسادهم إلى عبء إنساني وإداري في ظل غياب البنيات الكفيلة بحفظ كرامتهم بعد الموت.
صباح اليوم الجمعة، غادر 48 مهاجرًا مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين متجهين نحو شبه الجزيرة، في عملية نقل نُسّقت لتخفيف الضغط عن مركز يستقبل بشكل شبه يومي وافدين جدد عبر البحر، أو بالقفز فوق السياج المزدوج، بل وحتى بوسائل شديدة الخطورة مثل الطيران الشراعي.
وضمت المجموعة، بحسب ما أوردته صحيفة “إل فارو”، مهاجرين مغاربة وجزائريين إلى جانب آخرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، كانوا قد أمضوا شهورًا داخل المركز في انتظار إدراج أسمائهم ضمن لوائح الترحيل.
ولفت المصدر ذاته أنه في محيط مركز “الجارال”، سادت لحظات وداع مؤثرة، اختلطت فيها الكلمات والرقصات بتعب الانتظار الطويل، قبل أن تنطلق شاحنات الصليب الأحمر نحو الميناء، حيث جرى تسليم المرحّلين إلى هيئات اجتماعية ستتكفل بإيوائهم ومواكبة أوضاعهم داخل التراب الإسباني.
ووفق “إل فارو”، تُعد هذه ثاني عملية نقل منذ بداية سنة 2026، ضمن سياسة تهدف إلى تفادي اكتظاظ المركز، الذي لا تتجاوز طاقته الرسمية 512 سريرًا، رغم اللجوء أحيانًا إلى خيام إضافية لاستيعاب الأعداد المتزايدة.
غير أن هذا المسار الذي ينتهي بالمغادرة لا يشمل الجميع، ففي الجانب الآخر من المشهد، تسجل سبتة المحتلة حصيلة ثقيلة لوفيات المهاجرين الذين لم يتمكنوا من النجاة.
دين لم يُوفَّ
خلال سنة 2025 وحدها، لقي 46 مهاجرًا حتفهم، كثير منهم غرقًا أثناء محاولات العبور. وبسبب غياب غرف كافية لتجميد الجثامين، اضطرت السلطات إلى دفن عدد من الضحايا على عجل، أحيانًا بعد أقل من 24 ساعة، قبل أن تتمكن عائلاتهم من الظهور أو مباشرة إجراءات التعرف وإعادة الجثامين إلى بلدانهم الأصلية.
وتشير حركة “الكرامة والمواطنة” إلى أن هذه الوضعية تعكس إخلالًا واضحًا بالتزامات سابقة، إذ كان قد جرى، خلال جلسة عامة في فبراير 2025، الاتفاق على حثّ الوزارة المختصة على توفير غرفة لتجميد الجثث وبنيات تبريد كافية. وبعد مرور قرابة عام، لم يُسجَّل أي تقدم ملموس، ما دفع الحركة إلى إعلان نيتها إعادة مساءلة السلطة التنفيذية حول أسباب هذا التأخير.
وترى الحركة أن استمرار غياب هذه البنيات يمثل “دينًا لم يُوفَ”، ودليلًا على أن التعبير عن الحزن على وفيات المهاجرين يفقد معناه إذا لم يُترجم إلى إجراءات تحترم كرامة الموتى وحقوق عائلاتهم.
واعتبرت الحركة الحقوقية، بحسب ما نقلته “الصحيفة” أن مسار الحداد، يمر عبر تمكين الأسر من التعرف على ذويها ومنح الوقت الكافي لترتيب عمليات الترحيل، بدل اللجوء إلى دفن سريع تفرضه الإكراهات التقنية.
وتتوفر سبتة المحتلة حاليًا على ثلاث غرف تبريد فقط، دون أي غرفة تجميد، وهو ما يحدّ من إمكانيات حفظ الجثامين لفترات أطول، خاصة في حالات تعذر التعرف السريع على الهوية، إذ يؤدي هذا النقص إلى صعوبات إضافية، من بينها تسريع الدفن بأوامر قضائية أو بقاء الجثامين لفترات داخل مرافق صحية في ظروف غير ملائمة.
وفي كثير من الحالات التي يتعذر فيها التعرف على الضحايا أو ترحيلهم، يُدفن المهاجرون في مقابر محلية مثل سيدي مبارك أو سانتا كاتالينا، بحضور متطوعين يؤدون الصلاة عليهم، في محاولة لمنحهم وداعًا كريمًا رغم غياب عائلاتهم.
