“مارتا” تقتحم أجواء المغرب بعد “ليوناردو”.. أمطار غزيرة وتربة مشبعة ترفع خطر الفيضانات واليقظة القصوى تمتد من أحواض اللوكوس وسبو إلى سد الوحدة تحت ضغط المنخفض الأطلسي الجديد

admin7 فبراير 2026آخر تحديث :
“مارتا” تقتحم أجواء المغرب بعد “ليوناردو”.. أمطار غزيرة وتربة مشبعة ترفع خطر الفيضانات واليقظة القصوى تمتد من أحواض اللوكوس وسبو إلى سد الوحدة تحت ضغط المنخفض الأطلسي الجديد


في وقت لم تكد فيه المملكة تستوعب آثار المنخفض الجوي السابق المسمى “ليوناردو”، عاد اسم جديد ليحتل واجهة المشهد المناخي وهو “مارتا” المنخفض الأطلسي العميق القادم من المحيط، محمولا على سلسلة من الاضطرابات الجوية التي طبعت هذا الشتاء بكثافة غير معتادة، وسط تحذيرات الخبراء بين أهمية الأمطار التي تعيد الحياة إلى السدود والأحواض المائية، ومخاطر الفيضانات المحلية التي تفرض أقصى درجات من اليقظة.

ويُعد منخفض “مارتا” اضطرابا جويا أطلسيا عميقا يتشكل في شمال المحيط الأطلسي ضمن سلسلة المنخفضات الشتوية التي تتحرك شرقا نحو غرب أوروبا وشمال إفريقيا ويحمل معه كتلا هوائية باردة ومشبعة بالرطوبة تتسبب عادة في أمطار متفاوتة القوة ورياح نشطة واضطراب في حالة البحر.

وبالنسبة للمغرب، فإن تأثير هذا المنخفض يتجلى أساسا في تعزيز فرص التساقطات بالمناطق الشمالية والشمالية الغربية، ورفع منسوب الأودية والحقينات المائية، مع احتمال تسجيل فيضانات محلية في الأحواض الحساسة نتيجة تشبع التربة واستمرار الجريان السطحي خصوصا في المناطق القريبة من أحواض اللوكوس وسبو والمناطق الواقعة أسفل السدود الكبرى حيث يتطلب الوضع تدبيرا دقيقا لتوازن المخزون المائي وضمان سلامة الساكنة في ظل توالي الاضطرابات الجوية.

الخبير في المناخ والتنمية المستدامة محمد بنعبو كان من بين أول من حذروا من ملامح هذه المرحلة، حيث أشار إلى أن توالي المنخفضات الأطلسية في فترة قصيرة يُعد مؤشرا على حالة من عدم الاستقرار الجوي الممتد حيث تتشكل اضطرابات متعاقبة فوق شمال الأطلسي وتتجه تدريجيا نحو غرب أوروبا وشمال إفريقيا وأوضح أن هذه الكتل الهوائية الرطبة والقوية لا تأتي معزولة، بل ضمن نظام مناخي موسمي معقد، ما يجعل تأثيرها متراكما أكثر منه ظرفيا.

وحذر بنعبو من أن العاصفة المرتقبة قد تتسبب في اضطرابات جوية قوية نتيجة تعاقب المنخفضات الأطلسية وارتفاع نسبة الرطوبة في الغلاف الجوي، مشيرا إلى أن خطورة الوضع لا تكمن فقط في شدة التساقطات بل في كون التربة أصبحت مشبعة بالمياه بعد أسابيع من الأمطار المتواصلة وهو ما يضاعف من احتمال حدوث فيضانات محلية وانجرافات في بعض المناطق المنخفضة أو القريبة من المجاري المائية كما أكد أن هذا السياق المناخي يفرض درجة عالية من اليقظة لأن أي تساقطات إضافية حتى وإن كانت في المعدل الطبيعي قد تكون كافية لإحداث اختلالات ميدانية بسبب تراكم المياه وارتفاع منسوب الأودية.

ومع اقتراب المنخفض الجديد الذي يحمل اسم “مارتا” بدأت الصورة تتضح أكثر فبعد مرور “ليوناردو” الذي خلّف تساقطات مهمة واستقرارا نسبيا لبضع ساعات فقط دخلت المملكة مجددا في نطاق تأثير منخفض أطلسي جديد يتمركز في عمق المحيط ويمتد شمالا وغربا نحو السواحل المغربية وهذا المنخفض بحسب بنعبو، جزء من السلسلة الشتوية للأطلسي الشمالي وهو نمط مناخي معروف، لكنه يبدو هذا العام أكثر كثافة وتواترا من المعتاد.

وشهدت البلاد بالفعل فترة قصيرة من الهدوء، تخللتها أمطار خفيفة ومتفرقة، غير أن هذا الاستقرار لم يكن سوى مرحلة انتقالية قبل وصول كتلة هوائية جديدة، مشبعة بالرطوبة مرشحة لإعادة الأجواء غير المستقرة إلى الواجهة فيما ُنتظر أن يكون تأثير “مارتا” واضحا بشكل أكبر في المناطق الشمالية والشمالية الغربية، حيث تتلاقى المؤثرات الأطلسية مع التضاريس الجبلية التي تعزز من كثافة التساقطات.

وفي قراءته للتطورات، شدد بنعبو في حديثه لـ “الصحيفة” على أن الأمطار التي عرفتها المملكة خلال الأسابيع الأخيرة كانت ذات أثر إيجابي واضح على الموارد المائية، خاصة في جبال الريف والمناطق الشمالية التي استقبلت كميات مهمة ساهمت في رفع مخزون عدد من السدود غير أن هذه الدينامية المائية رغم ضرورتها في ظل سنوات من الجفاف والإجهاد المائي، تطرح في المقابل تحديات تقنية معقدة تتعلق بتدبير الحقينات والتحكم في الصبيب.

فالتساقطات كما يوضح الخبير، لا تتوزع بشكل متوازن عبر التراب الوطني وهناك مناطق تستفيد بشكل كبير من الأمطار، في حين تبقى مناطق أخرى أقل حظا، وهو ما يخلق تفاوتا واضحا بين الأحواض المائية.

وفي هذا السياق، تظهر مناطق مثل تاونات وشفشاون كنماذج لفضاءات تستقبل كميات مهمة من المياه في فترات قصيرة، ما يفرض تدبيرا دقيقا لكل حوض على حدة، بدل اعتماد مقاربة عامة موحدة.

وتتصدر مناطق أسفل سد الوحدة قائمة النقاط الأكثر حساسية في هذه المرحلة حيث سُجل ارتفاع ملحوظ في منسوب المياه بعد التساقطات الأخيرة وهذه المناطق، التي تلعب دورا حاسما في حماية المدن المجاورة من الفيضانات، تعيش على إيقاع يقظة مرتفعة، إذ يتم تفريغ كميات مضبوطة من المياه وفق بروتوكولات تقنية دقيقة، لتحقيق توازن بين الحفاظ على المخزون المائي وضمان سلامة السكان.

ويحذر بنعبو من أن استمرار التساقطات، بالتزامن مع تشبع التربة، قد يؤدي إلى ارتفاع صبيب الأودية بشكل مفاجئ، ما يزيد من احتمال تسجيل فيضانات محلية في بعض النقاط الهيدرولوجية الحساسة فيما هذه الفيضانات لا تكون دائما واسعة النطاق، لكنها قد تكون سريعة ومباغتة خاصة في المناطق القريبة من المجاري المائية أو الواقعة في المنخفضات الطبيعية.

أما على مستوى شدة المنخفض “مارتا” فقد كانت التوقعات الأولية تشير إلى احتمال تسجيل تساقطات قد تصل إلى نحو 50 ملم، مصحوبة بزخات رعدية ورياح قوية غير أن المعطيات الجوية المحينة، وفق ما يؤكده الخبير تشير إلى أن هذا المنخفض لن يكون على الأرجح أشد من “ليوناردو” وأن سرعات الرياح وكميات الأمطار المرتقبة قد تكون أقل مما كان يُخشى في البداية مع بقاء الحذر ضروريا في المناطق التي تعرف تاريخيا بقابليتها للفيضانات.

ويوضح بنعبو أن تسمية المنخفضات الجوية بأسماء مثل “مارتا” ليست أمرا عشوائيا، بل تخضع لنظام أوروبي مشترك تشارك فيه عدة دول من بينها إسبانيا والبرتغال وفرنسا ولوكسمبورغ حيث يتم اعتماد أسماء موحدة للاضطرابات الأطلسية التي قد يكون لها تأثير مباشر على الأرواح والممتلكات، بهدف تسهيل التواصل بين مصالح الرصد الجوي والسلطات المختصة، وتعزيز فعالية التحذير المبكر.

وينصب التركيز في هذه المرحلة على أحواض اللوكوس وسبو، باعتبارهما من المناطق الأكثر عرضة لتقلبات منسوب المياه خلال فترات التساقطات القوية فهذه الأحواض، التي شهدت في سنوات سابقة أحداثا مماثلة، تشكل نقطة توازن دقيقة بين الاستفادة من المياه وتفادي أخطارها فامتلاؤها يساهم في تحسين الوضعية المائية الوطنية على المدى المتوسط، لكنه في الوقت نفسه يرفع مستوى التهديد إذا تزامن مع تساقطات إضافية أو تفريغ اضطراري للحقينات.

وفي خلفية هذا المشهد، تتحرك مختلف الأجهزة في إطار تعبئة استباقية ومراقبة مستمرة، تشمل السلطات المحلية ومصالح الوقاية المدنية والقوات المسلحة الملكية لضمان التدخل السريع في حال وقوع أي تطورات مفاجئة ويؤكد بنعبو أن هذه الجاهزية تظل ضرورية في سياق مناخي يتسم بتزايد حدة الظواهر المتطرفة، حيث لم تعد العواصف الأطلسية مجرد أحداث موسمية عابرة، بل أصبحت جزءا من نمط مناخي أكثر تعقيدا وتكرارا.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق