أمام التحولات الكبرى التي يعرفها العالم في مجال الصناعات الثقافية، تأتي السينما المغربية اليوم في مفترق طرق حاسم، خصوصا بعد دخول القانون 18.23 المتعلق بالصناعة السينمائية وإعادة تنظيم المركز السينمائي المغربي حيّز التنفيذ. هذا القانون ليس مجرد نص تشريعي جديد، بل هو إطار شامل لإعادة هيكلة القطاع، وضمان حكامة أكثر فعالية، وتبسيط المساطر، وفتح آفاق أوسع أمام المهنيين والمستثمرين. غير أن قوة أي قانون تكمن في تنزيله الأمثل على أرض الواقع، بما يراعي انتظارات المهنيين، ويواكب التحديات التي يفرضها النموذج التنموي الجديد، ويترجم الرؤية الملكية الرشيدة التي تعتبر الثقافة والسينما رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، تبرز مجموعة من المتطلبات الأساسية التي تشكل أولويات المرحلة، ويمكن اختصارها في سبعة محاور كبرى: التنزيل الأمثل للقانون، الحكامة المؤسساتية، استكمال الورش التشريعي، التسويق للمغرب كأرض للاستثمار السينمائي، تعزيز قدرات المهنيين، صناعة الفيلم المغربي القابل للترويج، وأخيرا التوزيع والمهرجانات كرافعة للتسويق والإشعاع.
1- التنزيل الأمثل للقانون
صدور القانون 18.23 يمثل محطة مفصلية في تاريخ السينما المغربية، لكن نجاحه يظل رهينا بمدى قدرته على الترجمة العملية. فـ بلاغات المركز السينمائي المغربي ينبغي أن تكون واضحة وشفافة، تشرح التوجهات وتطمئن المهنيين. أما إدارة المركز، فمدعوة إلى اعتماد الرقمنة وتبسيط المساطر لتقليص أجال معالجة الملفات، بما يضمن علاقة أكثر مرونة مع المرتفقين. في المقابل، يتطلع المنتجون والمخرجون والتقنيون إلى إدارة شريكة، تسهل عملهم وتواكب طموحاتهم، لا أن تتحول إلى عائق بيروقراطي يثقل كاهلهم.
2- الحكامة المؤسساتية
القطاع السينمائي يحتاج إلى مجلس إدارة فعال للمركز السينمائي المغربي، يتخذ قرارات استراتيجية تنسجم مع المصلحة العامة، وتوازن بين الاعتبارات الثقافية والاقتصادية. إلى جانب ذلك، تبقى إعادة تجميع الأقطاب المهنية في كيانات قوية مطلبا أساسيا، لتجاوز التشتت الحالي الذي يضعف المواقف المهنية ويشتت الرؤية. فالحكامة الحقيقية تعني إشراك جميع الفاعلين، وتوحيد جهودهم في إطار شراكة مؤسساتية متينة.
3- استكمال الورش التشريعي
رغم الإصلاحات الأخيرة، يبقى نظام الدعم العمومي بحاجة إلى إعادة نظر شاملة. فالدعم ينبغي أن يتحول إلى أداة لتثمين الإبداع وضمان الجودة، لا مجرد وسيلة لتوزيع الموارد. المطلوب هو مقاربة جديدة تجعل من الدعم رافعة لصناعة قوية، تستحضر الرؤية الملكية الرشيدة، وتتماشى مع النموذج التنموي الجديد الذي يربط الاستثمار الثقافي بالمردودية الاقتصادية والاجتماعية. إصلاح هذه المنظومة سيضمن عدالة في التوزيع، وشفافية في التدبير، وفعالية في النتائج.
4- التسويق للمغرب كأرض للاستثمار السينمائي
المغرب يملك اليوم كافة المؤهلات ليصبح وجهة سينمائية عالمية: تنوع طبيعي ومعماري، استقرار سياسي، قرب جغرافي من أوروبا، وكفاءات بشرية عالية. لكن المطلوب هو استراتيجية تسويق متكاملة، لا تقتصر على جلب الإنتاجات الأجنبية للتصوير، بل تفتح المجال أيضا للاستثمار في البنية التحتية السينمائية (استوديوهات، مختبرات، مراكز ما بعد الإنتاج) وتطوير سوق التوزيع المحلي. الهدف هو تحويل المغرب إلى قطب سينمائي متعدد الأبعاد، يدمج الإنتاج، التوزيع، والخدمات التقنية، بما يعزز موقعه كهوليوود إفريقيا
5- تعزيز قدرات المهنيين عبر التكوين والتكوين المستمر
لا يمكن بناء صناعة سينمائية قوية بدون رأسمال بشري مؤهل. التكوين الأساسي في المعاهد الوطنية والدولية يظل ضرورياً، لكنه غير كافٍ. فالعالم السينمائي يشهد ثورة تقنية متواصلة، من الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتصوير، إلى تقنيات المؤثرات البصرية المعقدة. وهذا يتطلب برامج للتكوين المستمر، تنفتح على أحدث التجارب العالمية، وتوفر فرصا للمهنيين المغاربة للاحتكاك المباشر مع أسواق السينما الدولية.
6- صناعة الفيلم المغربي القابل للترويج
الرهان اليوم لم يعد على عدد الأفلام المنتجة، بل على مدى قدرتها على الترويج في القاعات السينمائية، وجذب الجمهور، وحصد الجوائز في المهرجانات العالمية. وهذا يقتضي الاهتمام أكثر بالسيناريو، والتعامل مع الإنتاج كصناعة متكاملة: من البحث عن التمويل، إلى التوزيع والتسويق. فالفيلم المغربي يجب أن يكون قصة وطنية تُروى بلغة عالمية، تمكّنه من الوصول إلى جمهور أوسع، ويعزز صورة المغرب كبلد منتج للثقافة والإبداع.
7- التوزيع جسر للتسويق والمهرجانات دعامة للإشعاع
يبقى التوزيع الحلقة الأضعف في الصناعة السينمائية المغربية، رغم أنه يمثل القاطرة الحقيقية لأي استراتيجية ناجحة. المطلوب هو تطوير شبكة توزيع داخلية قوية، مع الانفتاح على المنصات الرقمية العالمية، وتبني سياسات دبلجة الأفلام إلى اللغات الحية لزيادة فرصها في الوصول إلى جماهير جديدة. أما المهرجانات السينمائية، فهي أكثر من مجرد فضاءات للعرض، إنها أدوات استراتيجية لـ”القوة الناعمة”، تسوق لصورة المغرب عالميا، وتفتح جسور التواصل مع كبريات الصناعات السينمائية في العالم.
إن السينما المغربية اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن تستثمر في هذه المحاور السبعة لتلتحق بركب الصناعات الثقافية الكبرى، أو تظل رهينة إنتاج محدود التأثير داخلياً وخارجياً. الرهان الحقيقي يكمن في امتلاك رؤية استراتيجية شاملة، وإرادة سياسية ومهنية مشتركة، قادرة على تحويل السينما إلى صناعة قوية، تساهم في التنمية الوطنية، وتمنح المغرب مكانته المستحقة في الخريطة السينمائية العالمية.
