المغرب نيوز

محنة القصر الكبير بين التاريخ والجغرافيا.. كيف جعلها موقعها في “بلاد الهبط” وحوض “اللوكوس” مسرحا لتكرار الفيضانات؟ ولماذا تحول السد من نعمة إلى بلاء؟

محنة القصر الكبير بين التاريخ والجغرافيا.. كيف جعلها موقعها في “بلاد الهبط” وحوض “اللوكوس” مسرحا لتكرار الفيضانات؟ ولماذا تحول السد من نعمة إلى بلاء؟


تشهد مدينة القصر الكبير والمناطق المجاورة لها، منذ أيام، فيضانات غير مسبوقة ناجمة عن ارتفاع منسوب واد اللوكوس جراء الأمطار الغزيرة المتواصلة والتفريغ القسري لسد واد المخازن، وهي الأحداث التي دفعت المملكة المغربية إلى استنفار كل القوى البشرية واللوجستية من أجل إخلاء المدينة في حدث غير معهود في تاريخ المغرب الحديث.

وقامت القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني والوقاية المدنية والسلطات المحلية بتنفيذ أكبر عملية إجلاء في تاريخ المنطقة، شملت نقل المتضررين إلى مدن طنجة وتطوان والفنيدق، فيما اضطر الآلاف إلى مغادرة المدينة عبر القطار ووسائل نقل أخرى إلى وجهات متعددة، كما تم قطع جميع الطرق المؤدية من وإلى القصر الكبير حفاظا على سلامة السكان.

ولفهم هذه الكارثة الطبيعية، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية للمدينة وعلاقتها بجغرافيا بلاد الهبط وحوض اللوكوس وسد واد المخازن، حيث تكشف هذه العوامل عن تعقيد المشهد الفيضاني في القصر الكبير، فالمدينة الواقعة في حوض اللوكوس تعتبر نقطة جغرافية حساسة وهشة بيئيا، إذ شكلت الأودية والمجالات المنخفضة على مر العصور مسرحا لتكرار موجات غمر المياه، وإن لم تكن دائما بنفس العنف الذي شهدته فيضانات مطلع 2026. 

ويمكن تتبع تاريخ الفيضانات في القصر الكبير إلى ثلاثة مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل بناء سد واد المخازن، الممتدة حتى نهاية سبعينيات القرن الماضي، حيث في هذه المرحلة، كانت المدينة وسهل الغرب عموما عرضة للفيضانات الموسمية المدمرة بشكل شبه روتيني، إذ كان واد اللوكوس يفيض بحرية ليغمر الأراضي الفلاحية والأحياء السفلية للمدينة.

ومن أبرز الأحداث التاريخية في هذه الحقبة فيضان 1963، الذي اجتاح المدينة وسهل الغرب، وتزامن مع عيد الأضحى مما أدى إلى إلغاء شعائره وتكثيف جهود الدولة لتجفيف المنطقة وتفادي انتشار الأمراض، وفي تلك المرحلة، كانت التدابير البشرية غير كافية أمام قوة النهر، وكان الحل الوحيد يكمن في النزوح المؤقت أو اللجوء إلى مناطق مرتفعة.

 مع نهاية السبعينيات وبناء سد واد المخازن عام 1979، دخلت المدينة مرحلة حماية نسبية، إذ شكل السد أحد أكبر المشاريع الهيدروليكية في المغرب، وكان هدفه الرئيسي كبح جماح واد اللوكوس وحماية القصر الكبير وسهل الغرب من الفيضانات، إلى جانب توليد الطاقة وسقي الأراضي، وخلال هذه المرحلة، نجح السد لعقود طويلة في منع الفيضانات الكبرى، مما شجع على توسع العمران نحو مناطق كانت سابقا معرضة للغمر، مثل أحياء الشروق، الديوان، والمناطق المحاذية للواد.

غير أن العقدين الأخيرين أعادوا شبح الفيضانات للمدينة، بفعل التغيرات المناخية وتساقطات مطرية قياسية، حيث بلغت السدود قدراتها القصوى في مواجهة الأمطار، واضطرت السلطات أحيانا إلى فتح بوابات السد لتصريف المياه، كما حدث في السنوات ما بين 2008 و2010، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع منسوب واد اللوكوس وغمر الأحياء الهامشية.

 وفي نونبر من سنة 2014، شهدت المدينة فيضانات غمرت شوارع رئيسية بالمدينة مما كشف ضعف البنية التحتية لتصريف مياه الأمطار داخل المدينة، غير أن الأحداث الراهنة (الفيضانات الحالية) تعد محطة تاريخية غير مسبوقة في سجل الفيضانات بالقصر الكبير.

وتزامنت أمطارٌ طوفانية مستمرة لأسابيع مع امتلاء سد واد المخازن بنسبة قاربت سعته الطبيعية بمرة ونصف، وذلك لأول مرة منذ سنوات، ما دفع إدارة السد إلى تفريغ حوالي 280 مليون متر مكعب من المياه لتخفيف الضغط على المنشأة، وهو ما أدى إلى تدفق المياه الفائضة وارتفاع منسوبها عند مصب العرائش بسبب المد البحري، فارتدت المياه لتغمر الأحياء المنخفضة مجددة صور فيضانات الستينيات.

ولعل الفيضانات في القصر الكبير ليست مجرد “كارثة طبيعية”، بل هي نتاج تضافر عدة عوامل، أولها العامل الجغرافي الذي يتمثل في موقع المدينة في منخفض يتجمع فيه ماء الجبال الريفية، أما العامل التقني فيتعلق بالقدرة المحدودة للسد على استيعاب أمطار استثنائية، مما يضطره أحياناً إلى التفريغ القسري، وثالثها العامل البشري المتمثل في الزحف العمراني نحو ضفاف النهر والمناطق المهددة، مما يجعل أي ارتفاع في منسوب واد اللوكوس يتحول فورا إلى أزمة إنسانية تستدعي تدخل الدولة وإعلان حالة الاستنفار.

كما تشكل القصر الكبير تاريخيا قاعدة بلاد الهبط الذي يزيد من حساسية المدينة تجاه الفيضانات، إذ يمتد هذا الهبوط من مجرى الواد الكبير “واد الخروب” عند جنوب غرب جبال بني مصور إلى حدود واد اللوكوس، وقد استخدم مؤسس المدينة الشيخ محمد الوطاسي القصر الكبير كقاعدة استراتيجية لربطها بفاس خلال جهاده لاسترجاع مدينة أصيلة من البرتغاليين، ما أعطى المدينة أهمية تاريخية وسياسية إلى جانب طبيعتها الجغرافية. 



Source link

Exit mobile version