
تتجه أزمة غرينلاند إلى تصعيد دبلوماسي استثنائي، بعد عودة اهتمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بها، وتعيين واشنطن مبعوث خاص للجزيرة، وهو ما أثار ردود فعل قوية في كوبنهاغن، بما في ذلك استدعاء السفير الأميركي وتهديد الجيش الدنماركي بالتصرف وفق مرسوم ملكي يعود إلى عام 1952، ينص على الرد الفوري على أي اعتداء على الأراضي الدنماركية.
كما أن هذه التطورات، تأتي في وقت أثار فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب احتمالات ضم الجزيرة لصالح واشنطن، وسط حملة غير معلنة من مقربين له تهدف إلى التأثير على السكان المحليين وإقناعهم بالانفصال عن الدنمارك والانضمام إلى الولايات المتحدة، ما يضع الجزيرة الاستراتيجية في قلب توترات دولية متشابكة بين السيادة الوطنية والمصالح الجيوسياسية الكبرى.
ترامب يعين مبعوثا خاصا لغرينلاند.. خطوة مثيرة للقلق
في دجنبر 2025، أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب تعيين جيف لاندري، حاكم ولاية لويزيانا، مبعوثا خاصا إلى غرينلاند، معتبرا الجزيرة مفتاحا للأمن القومي الأميركي وركيزة استراتيجية لحماية مصالح الولايات المتحدة في المنطقة القطبية، حيث أثار هذا القرار غضب الحكومة الدنماركية التي اعتبرت الخطوة استفزازية وغير مسبوقة، معتبرة أنها تمثل مساسا بالسيادة الوطنية وتجاوزا للأعراف الدبلوماسية.
وأكد وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن أن تعيين المبعوث الخاص يشكل تحديا واضحا للسيادة الدنماركية، مشيرا إلى أن الوزارة ستطلب توضيحات رسمية من السفير الأميركي في كوبنهاغن حول خلفيات القرار وتوقيته، في خطوة تعكس حساسية الملف بالنسبة للعلاقات الثنائية والتوازنات في المنطقة القطبية.
وفي هذا السياق، ذكر مرسوم ملكي دنماركي صدر عام 1952 أن الجيش ملزم بالتصرف فورا ضد أي اعتداء على أراضي المملكة، بما في ذلك محاولة الاستيلاء بالقوة، وهو ما يعطي الحكومة الدنماركية أداة قانونية وعسكرية قوية لردع أي تهديد، وفق مانقلته وسائل إعلام دانمارمية أمس الأربعاء، حيث أشار المسؤولون الدنماركيون إلى أن هذا المرسوم يسري أيضا على أي محاولة أميركية لفرض السيطرة على الجزيرة بالقوة، في إشارة صريحة إلى سيناريوهات الضم.
تحقيق دنماركي وتحركات أميركية للتأثير على السكان
كشف تحقيق دنماركي حديث، عن حملة غير معلنة قادها ثلاثة أمريكيين مقربين من ترامب، تهدف إلى إقناع سكان غرينلاند بالانفصال عن الدنمارك والانضمام إلى الولايات المتحدة، حيث اعتمدت هذه الحملة على استغلال ملفات تاريخية شائكة، أبرزها قضية فصل الأطفال عن عائلاتهم في تجارب اجتماعية مثيرة للجدل، ما سمح ببث رسائل تؤثر على الرأي العام المحلي وتعزز مسعى الانفصال.
وأشار التحقيق إلى أن أحد هؤلاء الأمريكيين يشغل حاليا منصبا يتيح له النفوذ في مجال السياسات الأمنية الأميركية، فيما لم يتم بعد التوصل إلى دليل يثبت أن هذه الحملة تمت بتنسيق مباشر مع البيت الأبيض، على الرغم من ظهورهم المتكرر برفقة ترامب في مناسبات متعددة.
ورفضت السلطات الدنماركية أي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية للمملكة، مؤكدة أنها تتابع التطورات بحذر، واستدعت القائم بالأعمال الأميركي لإجراء اجتماع رسمي لمناقشة نتائج التحقيق، كما شدد وزير الخارجية على أن أي محاولة لتغيير وضع الجزيرة دون موافقة كوبنهاغن مرفوضة تمامًا، وأن السيادة الدنماركية على أراضيها غير قابلة للتفاوض.
غرينلاند.. أرض شاسعة وموارد طبيعية ضخمة
تتمتع غرينلاند بموقع جغرافي فريد يجعلها محورا استراتيجيا هاما على مستوى الأمن القومي الدولي، فهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تتجاوز مليوني كيلومتر مربع، بينما يبلغ عدد سكانها نحو 56 ألف نسمة فقط، ما يجعلها من أقل المناطق كثافة سكانية في العالم، كما تقع الجزيرة بالقرب من كندا ولا تفصلها عنها سوى مسافة قصيرة لا تتجاوز 16 كيلومترًا، وتغطي الجليد أكثر من 80 في المائة من مساحتها، مما يضيف بعدًا طبيعيًا قاسيًا يحمي جزئيًا سيادتها.
تاريخيًا، كانت غرينلاند مستعمرة دنماركية حتى عام 1953، قبل أن تُمنح حكمًا ذاتيًا جزئيًا في 2009، ما سمح لها بإدارة شؤونها الداخلية وتشكيل برلمان محلي، إلى جانب تمثيلها في البرلمان الدنماركي، وعقب الحرب العالمية الثانية، أسست الولايات المتحدة قاعدة جوية في الجزيرة عام 1943، وهي قاعدة ثول التي تحولت لاحقا إلى أكبر محطة رادار في العالم، لتعزيز مراقبة القطب الشمالي وجعل الجزيرة جزءًا محوريًا في الاستراتيجية الأميركية.
وتحوي المياه المحيطة بغرينلاند موارد طبيعية هائلة تشمل معادن استراتيجية واحتياطات محتملة من الغاز الطبيعي والنفط، وهي موارد تجذب اهتمام القوى الكبرى، كما تسهم الجزيرة في مراقبة الطرق البحرية في القطب الشمالي وتوفير قدرات استراتيجية لمراقبة الأنشطة العسكرية للخصوم، ما يجعلها نقطة محورية في الصراع على النفوذ بين الولايات المتحدة والدنمارك وحلفائها.
وكانت الولايات المتحدة قد حاولت شراء الجزيرة سابقا في عهد الرئيس هاري ترومان عام 1946 مقابل 100 مليون دولار، لكن كوبنهاغن رفضت العرض، وأعاد ترامب طرح الفكرة عام 2019، ما أثار استنفارًا سياسيًا كبيرًا، وزاد من استمرار التوتر التاريخي حول ملكية الجزيرة وأهميتها الاستراتيجية.
Source link

