لم يكن الاجتماع الافتتاحي لما سُمّي بـ”مجلس السلام” في واشنطن يوم 19 فبراير الجاري مجرد محطة إضافية في روزنامة التحركات الدولية المرتبطة بقطاع غزة، بل بدا لحظة مفصلية تكشف عن تحولات بنيوية في أنماط إدارة الأزمات الدولية، وفي موقع الفاعلين غير التقليديين داخل هندسة الأمن العالمي.
ففي سياق دولي يتسم بتآكل فعالية المنظومات الأممية الكلاسيكية، وبالاستقطاب الجيوسياسي الحاد، وبعودة منطق التحالفات المرنة والائتلافات الوظيفية، جاء هذا المجلس ليعكس محاولة لإعادة تشكيل أدوات التدخل الدولي في النزاعات الممتدة، عبر مقاربة تجمع بين الطابع العملياتي والتنسيق المدني-العسكري، وتستند إلى منطق “الإنجاز الميداني” بدل الاستغراق في نقاشات مبدئية طويلة الأمد.
الإدارة الأمريكية قدمت هذا الإطار بوصفه استجابة مباشرة لخصوصية الأزمة في غزة، معتبرة أن المؤسسات الدولية القائمة لم تتمكن من احتواء تعقيداتها أو إنتاج حلول قابلة للتنفيذ، ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو دافع عن إنشاء المجلس باعتباره ضرورة فرضها “انسداد الأطر التقليدية”، مؤكدا أن إعادة الإعمار ليست مجرد خيار من بين خيارات، بل “الخيار الوحيد الممكن” وأن البديل هو العودة إلى دورة العنف وهذا الطرح يعكس تحولا في المنهج بفيد الانتقال من إدارة سياسية للصراع إلى معالجة مركزة على تثبيت الاستقرار وإعادة بناء البنى التحتية، مع ترك المسار السياسي في إطار مرجعي عام دون أن يكون شرطا مسبقا للتحرك الميداني.
الممثل الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز سعى إلى إضفاء طابع تقني وعملي على المبادرة، مستعرضا أرقاما تتعلق بتدفق المساعدات، وانخراط أكثر من سبعين دولة في مركز القيادة المدني-العسكري (CMCC)، وانخفاض مؤشرات المجاعة الحادة، وتحسن نسبي في مؤشرات المياه وسوء التغذية فيما الرسالة الضمنية كانت واضحة، وهي أن هناك نموذج جديد لإدارة الأزمات يقوم على التحالفات المرنة، وعلى الجمع بين التنسيق الأمني والإنساني، وعلى تقليص الفجوة بين القرار السياسي والتنفيذ الميداني.
في هذا السياق، جاء الحضور المغربي ليكتسب أهمية تتجاوز البعد البروتوكولي فالمغرب، الذي أكد عبر وزير خارجيته ناصر بوريطة بناء على تعليمات من الملك محمد السادس دعمه لأي مبادرة جدية تروم إرساء سلام عادل ودائم، شدد في الوقت ذاته على أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تنفصل عن أفق سياسي واضح قائم على المرجعيات الدولية المعترف بها وفي مقدمتها حل الدولتين.
وهذا التوازن الذي يبديه المغرب بين الانخراط في الإطار العملياتي الجديد والتمسك بالثوابت المعيارية يعكس محاولة واعية لعدم الانزلاق نحو مقاربة أمنية تقنية خالصة، ولعدم التفريط في المرجعية السياسية التي شكلت لعقود العمود الفقري للموقف المغربي في القضية الفلسطينية.
وفي هذا الإطار، تعتبر فاطمة الولتيتي أستاذة العلاقات الدولية والباحثة المتخصصة في تحولات الحوكمة العالمية، أن مشاركة المغرب في مجلس السلام تمثل لحظة انتقال من “التعددية الخطابية” إلى “التعددية التنفيذية” فالمغرب، الذي بنى سياسته الخارجية منذ الاستقلال على الالتزام بالتعددية وأولوية الحوار السياسي، والسعي إلى الاستقرار الإقليمي، يجد نفسه اليوم أمام نظام دولي يتجه نحو صيغ هجينة لإنتاج الأمن، حيث تتراجع المركزية الأممية لصالح ائتلافات مرنة ذات طابع وظيفي.
الولتيتي وفي تصريحها لـ “الصحيفة” شددت على أن المغرب لم يقطع مع عقيدته الدبلوماسية بانضمامه للمجلس وانخراطه فيه بل أعاد تكييف أدواته بما يتلاءم مع التحولات الجارية مشيرة إلى أن المملكة لم تعد تكتفي بتأييد المبادرات الدولية أو الدفاع عنها داخل الأطر الأممية، بل تسعى إلى أن تكون جزءا من صياغة آلياتها وتنفيذها.
وهذا التحول يعكس ما تصفه أدبيات العلاقات الدولية بدور “القوى المتوسطة النشطة” أي الدول التي لا تمتلك قدرات هيمنة عظمى، لكنها تبني نفوذها عبر الموثوقية والاستمرارية والخبرة المؤسسية والقدرة على الوساطة والربط بين الفضاءات الجيوسياسية المختلفة.
وتشير الولتيتي إلى أن الرصيد المغربي في هذا المجال ليس وليد اللحظة، فالمملكة راكمت تجربة في الوساطات الإفريقية، وفي عمليات حفظ السلام منذ مشاركتها في الكونغو سنة 1960، وفي الدبلوماسية الدينية والثقافية في إفريقيا جنوب الصحراء، وفي مبادرات التعاون الأمني الإقليمي وهذه التجارب شكلت رأسمالا رمزيا ومؤسسيا يسمح للمغرب بالانتقال من دور “فاعل داعم للاستقرار” إلى دور “فاعل مساهم في هندسة أدوات الاستقرار”.
في قراءتها الأوسع، تعتبر الخبيرة أن مجلس السلام نفسه يعكس تحولا في بنية الحوكمة الدولية حيث تتداخل المؤسسات الرسمية مع الأطر شبه المؤسسية وتتقاطع الشرعية الأممية مع التحالفات الوظيفية، وتصبح القدرة على التنسيق الشبكي معيارا للنفوذ الدولي.
وفي هذا السياق، تصبح المشاركة في مثل هذه الأطر مؤشرا على الاعتراف بالمكانة الدولية، بقدر ما هي مساهمة في معالجة أزمة بعينها، فالدخول إلى دوائر التنسيق عالية الكثافة الاستراتيجية يمنح الدولة موقعا داخل مساحات إنتاج القرار، لا مجرد موقع المتلقي أو المراقب.
أما في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية تحديدا، فإن تأكيد المغرب على حل الدولتين، وعلى المرجعيات الأممية، يندرج بحسب الخبيرة ذاتها ضمن استمرارية استراتيجية تعود إلى سبعينيات القرن الماضي حين لعب المغرب أدوارا في القمم العربية، واحتضن مسارات دبلوماسية مرتبطة بالملف الفلسطيني، وصولا إلى رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، منبهة إلى أن الإصرار على المرجعية السياسية في لحظة يغلب عليها الطابع العملياتي يشكل، في نظر الولتيتي محاولة للحفاظ على “الأفق المعياري” للنزاع، حتى لا تتحول إعادة الإعمار إلى بديل دائم عن الحل السياسي.
وتذهب الخبيرة إلى أن التوازن الذي أبداه المغرب بين دعم الجهد الأمريكي والانتماء إلى المرجعية الأممية يعكس ما يسميه “البراغماتية المنضبطة” أي القدرة على الانخراط في المبادرات الجديدة دون الذوبان في أجنداتها أو فقدان الاتساق مع الثوابت الوطنية وهذا النوع من التموضع يمنح الرباط هامشا للحركة داخل بيئة دولية متقلبة، ويجنبها الوقوع في ثنائيات الاصطفاف الحاد.
وفي ما يتعلق بالبعد الأمني، فإن الحديث عن إمكانية مساهمة المغرب في قوة دولية لتثبيت الاستقرار يطرح وفق الولتيتي رهانات مركبة فمن جهة، يمكن أن يشكل ذلك امتدادا طبيعيا لتاريخ طويل من المشاركة في عمليات حفظ السلام، وتعزيزا لصورة المملكة كفاعل أمني مسؤول.
ومن جهة أخرى، يتطلب هذا الخيار إدارة دقيقة للتوازنات الإقليمية، وللشرعية الدولية، وللحساسية الداخلية المرتبطة بالانخراط العسكري في سياق شديد التعقيد فالانتقال من الوساطة السياسية إلى المساهمة الأمنية المباشرة يمثل ترقية في الدور، لكنه يضاعف أيضا حجم المسؤولية والمخاطر.
على المستوى الاستراتيجي الأشمل، ترى الخبيرة أن ما يجري يعكس إعادة توزيع للأدوار داخل النظام الدولي حيث لم تعد القوى الكبرى وحدها قادرة على احتكار أدوات إدارة الأزمات، في ظل تزايد عدد النزاعات وتعقدها وفي هذا السياق، تبرز القوى المتوسطة ذات المصداقية والاستقرار كركائز مساعدة في إنتاج الأمن والمغرب، بما راكمه من استقرار داخلي، وشبكة علاقات متعددة الاتجاهات، وخبرة مؤسسية في الوساطة والتنسيق، يسعى إلى تثبيت موقعه داخل هذا الفضاء الجديد.
وفي المحصلة، تعتبر أنه لا يمكن قراءة مشاركة المغرب في مجلس السلام باعتبارها خطوة ظرفية مرتبطة بغزة فحسب، بل كجزء من مسار أطول لإعادة تعريف دوره في بنية الأمن الدولي “إنها محاولة للجمع بين الثبات المعياري والمرونة التنفيذية، وبين الوفاء للمرجعيات التاريخية والانخراط في الصيغ الناشئة”.
وفي عالم يتجه نحو التعددية الشبكية بدل الثنائية القطبية أو الأحادية الصلبة، تبدو قدرة الدول على التحرك بين المستويات الإنساني، السياسي، الأمني، والمؤسساتي معيارا حاسما وفق الخبيرة لتحديد مكانتها وضمن هذا الإطار يسعى المغرب إلى تثبيت نفسه ليس فقط كفاعل إقليمي مستقر، بل كطرف مساهم في صياغة القواعد التي تنظم إدارة الأزمات في نظام دولي يعاد تشكيله أمام أعيننا.
