“مشاريعٌ مسحوبة”.. هل رضخت الحكومة وانتصرت “اللوبيات” في إقبار القوانين؟

admin21 يناير 2026آخر تحديث :
“مشاريعٌ مسحوبة”.. هل رضخت الحكومة وانتصرت “اللوبيات” في إقبار القوانين؟


مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية وإسدال الستار عن الحصيلة التشريعية للبرلمان، ما يزال نواب الأمة، وعبرهم المواطنون، ينتظرون إحالة مشاريع القوانين المسحوبة في عهد “حكومة أخنوش”، والتي وعدت بإرجاعها إلى المسار التشريعي بعد تجويدها وتحسين مقتضياتها، وفي مقدمتها مشروع القانون الجنائي ومشروع قانون احتلال الملك العمومي للدولة، التي لم تعد للبرلمان، إلى حدود كتابة هذه الأسطر.

ولم تنتظر الحكومة سوى أشهر، بعد تنصيبها من طرف نواب الأمة نهاية سنة 2021، لتشرع في سحب عدد من مشاريع القوانين الجاهزة التي كان بعضها قد وصل إلى مرحلة متقدمة من المسطرة التشريعية في عهد “حكومة العثماني”؛ ويتعلق الأمر بمشروع القانون الجنائي المتضمن لمقتضيات تجريم الإثراء غير المشروع ومشروع قانون المناجم ومشروع قانون احتلال الملك العمومي ومشروع قانون تنظيمي يتعلق بمهنة وكيل الأعمال ومحرر العقود الثابتة التاريخ (أو التنظيم المهني) ومشروع قانون التغطية الاجتماعية الشاملة.

في ذلك الحين، بررت الحكومة قرار سحب مشاريع القوانين من البرلمان، على أنه خطوة من أجل تجويد هذه النصوص التشريعية وتصحيح، ما تراه “اعوجاجات” في تشريعات ذات أهمية وحساسية في المجتمع، وتجاوز النقائص التي كانت تنتقدها حينما كانت في الولاية السابقة في صف المعارضة، والحديث هنا أساساً عن حزبي الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، متعهدةً في المقابل بإرجاعها إلى مسارها التشريعي، بعد انتهاء عملية المراجعة الشاملة.

نظرياً وقانونياً، لا يقف الدستور أو النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان عائقاً أمام أي قرارٍ بسحب مشروع قانون ما لم تتم المصادقة النهائية عليه من طرف المؤسسة التشريعية، بحكم أن المادة 184 من النظام الداخلي لمجلس النواب تنص صراحة على أنه “للحكومة أن تسحب أي مشروع قانون في أي مرحلة من مراحل المسطرة التشريعية قبل تمام الموافقة عليه من قبل مجلس النواب”.

لكن في المقابل، ومن منظور سياسي، فإن الأمر غير الطبيعي والمثير للتساؤلات هو أن تغيب أي مبادرة طيلة سنوات تدبير الحكومة للشأن العام (أكثر من 4 سنوات) من أجل إعادة هذه المشاريع إلى المؤسسة التشريعية في صيغتها الجديدة، خصوصا التي ترتبط بمواضيع ذات حساسية مجتمعية وسياسية كبيرة، كمشروع القانون الجنائي أو مشروع قانون احتلال الملك العمومي للدولة.

وتزداد معقولية قرارات السحب في بداية الولاية الحكومة (أواخر 2021 ومطلع 2022) إذا استحضرنا أن مكونين من الأغلبية الحكومية (حزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة) كانا متموقعين في المعارضة البرلمانية في الولاية السابقة، ما يجعلها في اختلاف وعدم توافق مع مشاريع أعدتها حكومة كانا يعارضانها. وهذا ما لا يعفي الحكومة من تحمل المسؤولية السياسية في سد الفراغات التي تركها قرار السحب وإعادة هذه المشاريع إلى البرلمان ومناقشتها والدفاع عنها أمام ممثلي الأمة.

تراكم القوانين المسحوبة

منذ تنصيبها يوم 13 أكتوبر 2021 من طرف مجلس النواب، سارعت الحكومة، بعد أيام، إلى سحب عدد من مشاريع القوانين التي كانت قد اقتربت من الخروج إلى الوجود خلال الولاية الحكومية السابقة (حكومة العثماني)، وإعادتها إلى نقطة الصفر، بمبرر مراجعتها وإعادة صياغتها وفق ما يتماشى مع مواقف وتوجهات مكونات الأغلبية الحكومية الجديدة. 

واستهلت الحكومة سجل سحبها لمشاريع القوانين بنص قانوني بالغ الأهمية ومثير للحساسيات السياسية والمجتمعية وهو مشروع القانون الجنائي، الذي سبَّبَ سحبه جدلا سياسياً واسعا، لتضمنه مقتضيات تجرم الإثراء غير المشروع وتجبر من تضاعفت أملاكم وأموالهم بتبرير مصدر دخلهم، ما جعل المعارضة تصف الخطوة بأنها “حماية للفساد” و”تحسين للريع”. 

وقد سحبت الحكومة، بمبادرة من رئيسها، مشروع القانون الجنائي بداية شهر نونبر 2021، وبالتحديد 8 نونبر 2021، أي بعد حوالي شهر من تنصيبها، مبررة ذلك بـ”ضرورة مناقشة المشروع في شموليته وصعوبة تعديله بمنطق تجزيئي”.

بعد ذلك، سارعت الحكومة إلى سحب مشروع القانون 33.13 المتعلق بالمناجم في يناير، حيث أكدت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، أن سحب القانون يأتي لإعادة صياغته وفق منطق جديد وإقرار حماية أكبر للعمال المنجميين الذين يشتغلون في ظروف لها خصوصية خطيرة”، في وقت استغربت فيه مكونات المعارضة سحب المشروع “دون مبررات” بحكم سده فراغاً تشريعياً دام 64 سنة، لكون آخر قانون نظم قطاع المناجم والمعادن صدر خلال أبريل من سنة 1951.

ولم يتجاوز مشروع قانون المناجم 4 أشهر في أروقة البرلمان قبل أن يقرر رئيس الحكومة سحبه من لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة والتنمية المستدامة في يناير 2022، بعدما تمت إحالته على مكتب اللجنة المعنية في 23 شتنبر 2021.

وأثار سحب الحكومة لمشروع قانون المناجم، الذي أُعِدَّ في عهد الوزير السابق عن حزب العدالة والتنمية، عزيز الرباح، جدلا واسعاً، حيث وصف خصوم الحكومة القرار بأنه “انبطاح” للوبيات و”تسامح” مع الريع والفساد الذي ينخر قطاع المقالع في المغرب.

مشروع قانون آخر لحقه سحب الحكومة هو مشروع قانون احتلال الملك العمومي للدولة يوم 19 يناير 2022، والذي كانت قد صادقت عليه حكومة سعد الدين العثماني يوم 18 مارس 2021.

وكانت “حكومة العثماني” تدافع عن مشروع قانون الاحتلال المؤقت للملك العمومي على أنه سيوفر الحماية اللازمة للملك العمومي، ويضع قواعد تراعي خصوصية هذه الأملاك وتوجيهها نحو الاحتلال الأمثل والعقلاني مع سن تدابير حمائية ضد جميع أنواع الاحتلال غير المشروع وغير الملائم للأغراض المرخص بها.

خطوة سحب مشروع قانون احتلال الملك العمومي جرت، هي الأخرى، على الحكومة اتهامات قاسية من المعارضة باعتبارها أن القرار يعاكس مبادرة تشريعية للحد من الفساد الذي “يغرق” فيه الملك العمومي للدولة، خصوصاً البحري، ويهدر أموال عامة كان يمكن تحصيلها لو تم تنزيل مضامين مشروع القانون المسحوب.

“خضوعٌ للفساد واللوبيات”

رشيد حموني، رئيس فريق حزب التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، قال إنه “في بداية الولاية التشريعية الحالية، أقدمت الحكومة على سحب عدد من مشاريع القوانين، حتى التي تجاوزت مراحل متقدمة في المسطرة التشريعية”، مشيراً إلى أن “بعض المشاريع وصلت إلى حد مسطرة الوضع والتصويت على التعديلات على مستوى اللجنة المختصة، وفي مقدمتها مشروع قانون احتلال الملك العمومي”.

ولم يبد حموني، في تصريح لجريدة “مدار21”  الإلكترونية، أي اعتراض على حق الحكومة في ممارسة صلاحية السحب التي يمنحها الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب (المادة 184)، مستدركا أن الذي لا نفهمه هو أن “الحزب القائد للحكومة اليوم هو جزء من الحكومتين السابقتين اللتان جاءتا بهذه المشاريع القوانين المسحوبة”.

وتابع حموني بأن الوعد الذي قدمته الحكومة، عبر وزرائها أو ناطقها الرسمي، هو أنها ستعيد هذه المشاريع قوانين للمؤسسة التشريعية بعد مراجعتها وإدخال تعديلات عليها، وهو ما لم يتم إلى اليوم، مقدما مثالاً في هذا الصدد عن مشروع القانون الجنائي الذي يرافقه جدل تجريم الإثراء غير المشروع، والذي وعد وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، بإحالته على البرلمان دون أن يتحقق هذا الأمر إلى حدود الساعة.

وأضاف رئيس فريق “الكتاب” بالغرفة الأولى للبرلمان أن مشروع قانون احتلال الملك العمومي يعيش نفس المخاض الذي يعيشه مشروع القانون الجنائي، وحتى مشروع قانون المناجم، مسجلا أن “القاسم المشترك بين كل هذه القوانين هو ارتباطها بمصالح لوبيات فساد كبيرة في قطاعات متعددة”.

وهذا المعطى، حسب المتحدث ذاته، يزكي انتقاداتنا بأن الحكومة “تحمي الفساد والمفسدين وتؤخر القوانين التي تمنع استمرار الريع واستغلال الفراغات التشريعية في قطاعات يضيع فيها المال العام، مثل قطاع المقالع أو الملك العمومي أو محاربة الإثراء غير المشروع”.

وبالنظر لتأخر إرجاع هذه المشاريع القوانين، ونحن على بعد 8 أشهر من حلول موعد الانتخابات التشريعية، التي ستفرز حكومة جديدة، أبرز حموني أن “هذا ما يؤكد أنه لم تكن لدى الحكومة، كما تصرح، رغبة في تجويد هذه النصوص أو تعديلها وفق توجهها أو إيديولوجيتها، بقدر ما ترغب في سحب هذه المشاريع قوانين لحماية الفساد والمتورطين فيه واللوبيات الضاغطة عليها”.

سحبٌ قانونيُّ بتداعيات سياسية

محمد زيد الدين، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بكلية العلوم القانونية بالمحمدية، اعتبر أنه “مبدئيا، ومن الناحية القانونية، يبقى من حق الحكومة أن تسحب مشروع قانون في مرحلة ما قبل المصادقة والنشر في الجريدة الرسمية”، مشددا على أنه “لا يوجد ما يمنع رئيس الحكومة، في الدستور ولا في باقي القوانين، من طلب سحب مشروع قانون من الغرفتين التشريعيتين وهو لايزال في مرحلة من مراحل المسطرة التشريعية”.

وسجل الأكاديمي المتخصص في العلوم السياسية، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أنه وإن لم يكن ما يمنع الحكومة من سحب مشاريع قوانين من البرلمان في أي مرحلة من مراحل التشريع، فإن اللجوء إلى مثل هذه الإجراءات تستبعه تداعيات سياسية.

وربط الأستاذ الجامعي الجدل الذي أثاره سحب عدد من المشاريع القوانين، وفي مقدمتها مشروع القانون الجنائي، الذي يتضمن مقتضيات تجرم الإثراء غير المشروع، بكونها قوانين مُؤَسِّسَة أو التي لها ارتباط بالرأي العام بشكل مباشر أو بحقوق وحريات المواطنين.

وزاد المتحدث ذاته في تعميق تحليله حينما قال إن “تشريع القوانين لا يتم وفق المسطرة العادية والكلاسيكية والقنوات الرسمية، أي عبر المؤسسة التشريعية والتنفيذية، وإنما هناك قنوات وآليات أخرى تمر منها مشاريع القوانين، وهذا أمر عادي في جميع الأنظمة السياسية”.

إحالة المشاريع المسحوبة “مستبعد”

وتفصل الحكومة عن نهاية عمرها السياسي قرابة 8 أشهر، ما يمتحن خطابها ووعودها للبرلمان، وعبره للمواطنين، قبل أربع سنوات، حيث وعدت بإعادة مشاريع القوانين المسحوبة إلى المؤسسة التشريعية، بعد انتهاء مراجعتها وتعديلها وفق توجهات أحزاب الأغلبية الحكومية الحالية.

ولا يرى المحلل السياسي، محمد زين الدين، أن تكون للحكومة القدرة على إحالة كل مشاريع القوانين التي سحبتها  (7 مشاريع قوانين) من البرلمان خلال ما تبقى من عمر الولاية الحكومية والتشريعية، مشددا على أن ما يزيد تأكيد هذا الطرح هو إعلان رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار ورئيس الحكومة، عزيز أخنوش، عدم ترشحه لولاية جديدة على رأس الحزب، ما يدخلنا عملياً في مرحلة تكون فيها الحكومة مكلفة بتصريف الأعمال.

وطَعَّم زيد الدين تحليله السياسي لتوقعه عدم إعادة الحكومة لمشاريع القوانين التي سحبتها من البرلمان  بخصوصية السنة الانتخابية الجارية، مشدداً على أنه خلال هذه الفترة فإن كل حزب يضرب حساباته السياسية ويراعي لتأثير وثقل قراراته على الكتلة الناخبة وشعبية الحزب السياسي.

رئيس فريق “حزب الرفاق”، رشيد حموني، اتفق بدوره مع استحالة عودة مشاريع القوانين المسحوبة إلى البرلمان في ما تبقى من عمر الولاية، مسجلاً أن الحديث عنها غائب في المؤسسات المعنية بالتشريع أو في خطاب وزراء الحكومة، باستثناء وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، الذي هاجم في غير ما مرة تجريم الإثراء غير المشروع، ما يعني أنه حتى وإن أعاد مشروع القانون الجنائي إلى البرلمان، فإنه لن يضمنه في النص القانوني الجديد.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق