مع احتدام حرب الشرق الأوسط وأزمة سلاسل الإمداد التجارية.. المغرب يصبح “المخزن الاستراتيجي” للخضر والفواكه لإسبانيا

adminمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
مع احتدام حرب الشرق الأوسط وأزمة سلاسل الإمداد التجارية.. المغرب يصبح “المخزن الاستراتيجي” للخضر والفواكه لإسبانيا


في الوقت الذي تصاعدت فيه أعمدة الدخان من مصافي النفط في الكويت وتضررت البنية التحتية للغاز في قطر نهاية هذا الأسبوع، لم تكن الشظايا تضرب الخليج العربي فحسب، بل كانت ترتطم مباشرة بجدران البيوت البلاستيكية في ألميرية ومزارع مورسيا، حيث استيقظ المزارعون الإسبان على واقع مرير يتمثل في قفزة جنونية لأسعار الغاز الطبيعي بلغت 68% في أسبوع واحد، مما جعل تكلفة تدفئة الصوب الزراعية وتشغيل أنظمة الري الحديثة ضرباً من الانتحار الاقتصادي.

وهنا تَقَاطع دخان الحرب في الشرق مع ضجيج الجرارات في جنوب إسبانيا، ليعيد التذكير بتلك المشاهد العنيفة التي شهدها ميناء الجزيرة الخضراء في فبراير الماضي، حين اصطفت الجرارات لساعات طوال لمحاصرة الشريان الرئيسي للتجارة وإراقة حمولات الشاحنات المغربية من الطماطم والفراولة على الأسفلت في “حرب معلنة” بدعوى عدم تكافؤ الفرص.

لكن هذا الصدام الميداني اصطدم اليوم بحائط الصد الجيوسياسي الذي فرضه قصف مصافي الخليج، ليجد المواطن الإسباني نفسه أمام مفارقة قاسية. فبينما كان يصفق للمزارعين في احتجاجات الشهر الماضي، بات اليوم يبحث بيأس عن “الطماطم المغربية” ليتمكن من تأمين مائدته بأسعار لا تلتهم راتبه نتيجة “التضخم الحربي” الذي رفع تكاليف الإنتاج المحلي بنسبة 42% مقارنة بالعام الماضي.

إن لغة الأرقام الصارمة التي تتداولها مراكز القرار في مدريد بعيداً عن صخب الاحتجاجات، تشير إلى أن الاعتماد الإسباني على الخضر المغربية الأساسية قد تجاوز حاجز 36% من إجمالي المعروض في الأسواق الكبرى، وهو رقم يحمل في طياته دلالات أمنية خطيرة؛ ففي حال استجابة حكومة “بيدرو سانشيز” لمطالب المحتجين بفرض قيود جمركية أو إدارية على الشاحنات القادمة من طنجة المتوسط، فإن أسعار سلة الغذاء في مدريد وبرشلونة ستشهد قفزة فورية تتجاوز 50%، وهو سيناريو كابوسي لا تستطيع أي حكومة أوروبية تحمله في ظل تآكل القدرة الشرائية للمواطنين بنسبة 7.5%.

ومما يزيد من قوة الموقف المغربي هو القرب الجغرافي في زمن تعطلت فيه سلاسل التوريد وارتفعت فيه تكاليف الشحن البحري بنسبة 300% بسبب أزمات المضايق الدولية، حيث تظل الشاحنة المغربية قادرة على الوصول إلى أسواق “ميركامدريد” في أقل من 24 ساعة بتكلفة لوجستية زهيدة، مما يجعل المغرب “المخزن الاستراتيجي” الأقرب والأنسب لأوروبا التي باتت تخشى موجة الغلاء أكثر من خشيتها من التغير المناخي، خاصة وأن التوقعات تشير إلى أن غياب المنتج المغربي سيتسبب في قفزة أسعار تبلغ 60% في أسواق الجملة خلال 48 ساعة فقط.

وعلى عكس السردية النقابية التي تحاول التشكيك في الجودة لتبرير حصار الموانئ، تظهر تقارير المفوضية الأوروبية ونظام الإنذار السريع (RASFF) لعام 2025 أن المنتجات المغربية سجلت نسبة امتثال للمعايير الصحية بلغت 98.9%، وهي حقيقة تدركها جيداً أكثر من 400 شركة فلاحية إسبانية اختارت بذكاء نقل استثماراتها وأموالها إلى التربة المغربية، باحثة عن الاستقرار المائي واليد العاملة المؤهلة والسياسات الواضحة التي يوفرها “جيل جديد” من المخططات الفلاحية المغربية.

وهذا يعني أن جزءا كبيرا مما يحتج ضده المزارعون في الأندلس هو في الواقع إنتاج لاستثمارات إسبانية بصبغة مغربية، مما يكرس حالة من “التكامل القسري” الذي لا مفر منه.

فالطماطم المغربية اليوم، ليست مجرد سلعة تُباع وتُشترى، بل هي “عملة سياسية” تضمن بها إسبانيا هدوء شوارعها واستقرار موائد مواطنيها. وفي نهاية المطاف، يبدو أن القدر الجيوسياسي يدفع الرباط ومدريد نحو “سيادة غذائية مشتركة” ستصل ذروتها مع مونديال 2030، حيث سيتوقف الحديث عن “المنافسة” ليبدأ عصر “الشراكة الوجودية” التي فرضتها نيران الحروب البعيدة وجفاف الأرض القريبة، ليظل المغرب هو الرئة التي يتنفس بها المستهلك الإسباني في خضم اختناق القارة العجوز.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق