المغرب نيوز

من طنجة إلى الناظور والداخلة.. المغرب يحول 3500 كلم من سواحله إلى موانئ ضخمة مؤثرة في التجارة العالمية

من طنجة إلى الناظور والداخلة.. المغرب يحول 3500 كلم من سواحله إلى موانئ ضخمة مؤثرة في التجارة العالمية


منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، دخل المغرب مرحلة إعادة صياغة عميقة لتموقعه داخل الاقتصاد العالمي، اختار فيها أن يحوّل امتداده البحري الطويل من معطى جغرافي صامت إلى رافعة استراتيجية ذات بعد اقتصادي وجيوسياسي حولت الموانئ من مجرد فضاءات لعبور السلع إلى أدوات سيادية لإعادة رسم دور البلاد في حركة التجارة الدولية، عبر استثمار الواجهة الساحلية على المتوسط والأطلسي لتأسيس شبكة لوجستية تربط بين إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين وآسيا.

وبدأ المغرب في إعادة صياغة نظرته إلى البحر بوصفه رافعة سيادية للتنمية، في السنوات الأولى من العهد الجديد حيث برز حينها توجه واضح نحو إدماج البعد البحري ضمن رؤية اقتصادية شاملة، تقوم على تحويل الموقع الجغرافي للمملكة إلى عنصر قوة داخل الاقتصاد العالمي فيما هذا التحول لم يكن مرتبطا بمشاريع منفصلة أو قرارات ظرفية، بل أخذ شكل سياسة دولة متدرجة انطلقت أولا من تحديث البنية التحتية للموانئ، قبل أن تتبلور في ما بعد ضمن رؤية وطنية متكاملة أعادت توزيع الأدوار بين الموانئ وربطتها بمشاريع صناعية ولوجستية كبرى.

في هذا السياق، تم وضع أسس استراتيجية وطنية طويلة المدى لتطوير القطاع المينائي في أفق 2030، والتي هدفت إلى الانتقال من نموذج تقليدي يقوم على موانئ تجارية كلاسيكية إلى شبكة موانئ متخصصة ومتكاملة فيما هذه الرؤية اعتمدت بالإساس على فكرة مركزية مفادها أن المغرب بحكم موقعه بين أوروبا وإفريقيا وعلى تماس مع أهم طرق الملاحة العالمية، قادر على أن يتحول إلى منصة لوجستية دولية إذا توفرت له بنية مينائية حديثة وموزعة بشكل متوازن على امتداد الساحل.

وقامت هذه الاستراتيجية على إعادة تنظيم الخريطة المينائية الوطنية عبر تقسيمها إلى أقطاب كبرى، لكل قطب وظائف اقتصادية محددة وتشمل العبور الدولي للحاويات، التجارة الوطنية، الصناعات الطاقية، والخدمات اللوجستية كما جرى تصور شبكة موانئ متكاملة بدل الاعتماد على ميناء واحد مهيمن، مع ربطها بمناطق صناعية وممرات نقل بري وسككي، حتى تتحول الموانئ إلى محركات إنتاج واستثمار، لا مجرد نقاط عبور للبضائع.

واستندت هذه السياسة إلى استثمار الامتداد الساحلي الطويل للمغرب المقدر بحوالي 3500 كيلومترا على واجهتين بحريتين، وهو ما يمنحه إمكانات نادرة في المنطقة فالمملكة تطل على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي في آن واحد، وتقع على مقربة من مضيق جبل طارق أحد أكثر الممرات البحرية نشاطا عالميا فيما هذا الموقع الجغرافي شكل الأساس الذي بُنيت عليه الرؤية الاستراتيجية، حيث جرى التفكير في جعل السواحل المغربية نقاط ربط بين الشمال والجنوب، وبين أوروبا وإفريقيا، عبر موانئ قادرة على استقطاب حركة الشحن الدولي والاستثمارات المرتبطة بها.

ومع مرور الوقت، تطورت هذه الرؤية إلى سياسة عمومية متكاملة تُدار على مستوى الدولة وتشارك فيها مؤسسات متعددة، كما تقوم على الاستثمار طويل الأمد في البنية التحتية واللوجستيك والصناعة وقد رُصدت استثمارات مهمة لتوسيع الموانئ القائمة وإنشاء أخرى جديدة، في إطار تصور يهدف إلى مضاعفة قدرات المغرب على مناولة السلع، وتعزيز جاذبيته كمركز للتصدير وإعادة التوزيع في المنطقة.

وهكذا، قبل أن تظهر المشاريع الكبرى التي ستغيّر وجه الخريطة المينائية للمملكة، كان الأساس قد وُضع ضمن رؤية وطنية واضحة تعتبر البحر رهانا استراتيجيا للتنمية الاقتصادية والتموقع الجيو-اقتصادي أي أنها سياسة دولة طويلة النفس، بدأت مع مطلع الألفية الجديدة وتبلورت مع اعتماد استراتيجية 2030، لتجعل من الموانئ أحد أعمدة القوة الاقتصادية للمغرب، قبل أن تتجسد لاحقا في مشاريع كبرى سيتم تناولها كل على حدة.

يقف ميناء طنجة المتوسط اليوم، باعتباره التجسيد الأكثر اكتمالا للتحول الذي عرفته السياسة المينائية المغربية منذ مطلع الألفية ليس فقط من حيث الحجم، بل من حيث الدور الذي يلعبه في إعادة تموقع المغرب داخل التجارة البحرية العالمية فالميناء الذي بدأ تشغيله سنة 2007 قرب مضيق جبل طارق تحوّل في أقل من عقدين إلى منصة عبور دولية تربط بين القارات وتستقطب جزءا متزايدا من حركة الشحن العالمية ما جعله من أبرز موانئ الحاويات في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا.

وينكشف حجم هذا التحول بوضوح في كون محطات الحاويات الأربع عالجت داخل المركب المينائي خلال 2025 فقط ما مجموعه 11,106,164 حاوية مكافئة (TEU) ، أي بزيادة 8,4% مقارنة بسنة 2024، وهو رقم قياسي جديد يعكس توسع الطاقة التشغيلية للميناء بعد دخول التوسعة الأخيرة لمحطة TC4 الخدمة.  الميناء قد تجاوز لأول مرة عتبة 10 ملايين حاوية في 2024 بعدما عالج 10,24 ملايين حاوية، مع مناولة إجمالية للبضائع بلغت نحو 142 مليون طن في تلك السنة، ما عزز مكانته كأحد أكبر الموانئ في المتوسط.

وتُظهر أرقام 2025 أن الميناء بات مركزا متعدد الوظائف داخل سلاسل النقل الدولية، فقد سجلت حركة المسافرين 3.220.422 مسافرا بارتفاع 5,7%، فيما بلغ عدد السيارات التي عبرت الميناء 895.341 سيارة (+5%)، وهو ما يعكس دوره الحيوي في الربط بين الضفتين الأوروبية والإفريقية كما مرّت عبره مئات آلاف الشاحنات سنويا محملة بالمنتجات الصناعية والفلاحية الموجهة للتصدير، في مؤشر مباشر على ارتباط الميناء بالنسيج الإنتاجي الوطني.

ولا تتجلى أهمية طنجة المتوسط في الأرقام التشغيلية فقط بل في تأثيره الاقتصادي العميق، فالميناء يرتبط بمنصة صناعية ضخمة تضم مئات الشركات الدولية وتُنتج جزءا مهما من صادرات المغرب خاصة في قطاع السيارات والصناعات التحويلية فيما تشير معطيات رسمية إلى أن المناطق الصناعية المحيطة به استقطبت مئات المستثمرين وتوفر عشرات الآلاف من فرص العمل، ما جعل الميناء ليس مجرد نقطة عبور بل قطبا صناعيا متكاملا.

كما أن طنجة المتوسط يربط اليوم المغرب بأكثر من 180 ميناء عبر العالم في نحو 70 دولة، ما جعله منصة رئيسية لإعادة الشحن (Transshipment) داخل الشبكات البحرية الكبرى، وساهم في ترسيخ صورة المملكة كمحور لوجستي بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين، وهذه الدينامية جعلت الميناء يتقدم تدريجيا داخل التصنيفات الدولية، ويُنظر إليه كأكبر ميناء حاويات في إفريقيا ومن بين الأهم في حوض المتوسط، بطاقة تشغيلية تقارب 9 ملايين حاوية سنويا من حيث القدرة الاسمية، مع تجاوز فعلي لهذه السعة بفعل التطوير المستمر وتحسين الإنتاجية.

ولا تكمن أهمية طنجة المتوسط فقط في كونه ميناء كبيرا، بل في كونه أداة استراتيجية غيّرت بنية الاقتصاد المغربي فقد أصبح بوابة رئيسية للصادرات الصناعية، ونقطة جذب للشركات متعددة الجنسيات التي تبحث عن موقع قريب من أوروبا ومنفتح على إفريقيا في آن واحد كما ساهم في تقليص زمن وكلفة النقل، وربط المغرب مباشرة بخطوط الملاحة الكبرى، ما عزز مكانته داخل سلاسل التوريد العالمية.

وبهذا المعنى، تحول طنجة المتوسط إلى رافعة جيو-اقتصادية حقيقية أي منصة عبور عالمية، ومركز صناعي ولوجستي، ومحرك للتشغيل والاستثمار ونقطة ارتكاز أساسية في سياسة الدولة الرامية إلى جعل المغرب قوة بحرية تجارية تربط بين الشمال والجنوب وتستثمر موقعه عند مدخل المتوسط.

يُعد هذا المشروع أحد أهم أعمدة الاستراتيجية المينائية المغربية في أفق 2030، إذ أُطلق ليشكل امتدادا للثقل الذي يمثله طنجة المتوسط على الواجهة الشمالية، ويعزز قدرة المغرب على استقطاب حركة الشحن والصناعات المرتبطة بالطاقة واللوجستيك في شرق المملكة ويقع الميناء على الساحل المتوسطي قرب طرق الملاحة الدولية، ما يمنحه موقعا تنافسيا لتطوير نشاط العبور والتخزين والصناعات الثقيلة.

المشروع يتضمن محطة حاويات كبرى بطاقة تقارب 3,4 ملايين حاوية سنويا في مرحلته الأولى، إضافة إلى مرافق موجهة للمحروقات والغاز والصناعات المرتبطة بها كما أنه من المنتظر أن يبدأ تشغيله تدريجيا خلال النصف الثاني من العقد الحالي، ضمن رؤية تهدف إلى خلق قطب صناعي جديد في الجهة الشرقية، وتخفيف الضغط عن طنجة المتوسط، وربط المنطقة بشبكة التجارة البحرية المتوسطية كما يُراهن على أن يشكل المشروع رافعة استثمارية كبرى، بالنظر إلى المساحات الصناعية الضخمة المحيطة به، وما يمكن أن توفره من فرص شغل مباشرة وغير مباشرة.

رغم صعود الموانئ الجديدة، يظل ميناء الدار البيضاء القلب النابض للتجارة الخارجية الوطنية، بحكم موقعه داخل العاصمة الاقتصادية التي تحتضن أهم نسيج صناعي وتجاري في البلاد.

وتاريخيا، كان هذا الميناء هو المنفذ الرئيسي للواردات والصادرات المغربية لعقود طويلة، ولا يزال يحتفظ بدور محوري في تدبير المبادلات المرتبطة بالسوق الداخلية، فيما تشير معطيات رسمية للوكالة الوطنية للموانئ إلى أن ميناء الدار البيضاء يستحوذ على نحو ثلث الرواج المينائي الوطني تقريبا ضمن الموانئ التي تديرها الوكالة، ما يعكس استمرارية ثقله الاقتصادي.

ويُعد نقطة دخول أساسية للمواد الطاقية والمنتجات الصناعية والسلع الاستهلاكية، وفي الوقت نفسه منفذا مهما لصادرات الفوسفاط ومشتقاته والمنتجات الصناعية والغذائية.
أهمية هذا الميناء داخل السياسة المينائية الجديدة لا تكمن في كونه منصة عبور دولية مثل طنجة المتوسط، بل في كونه محورا رئيسيا للتجارة الوطنية، إذ يربط الاقتصاد الداخلي مباشرة بالشبكات البحرية، ويشكل دعامة أساسية لاستقرار سلاسل التوريد داخل السوق المغربية.

يمثل ميناء الداخلة الأطلسي أحد أبرز مشاريع الجيل الجديد من الموانئ ضمن الاستراتيجية المينائية للدولة، ويعكس توجها واضحا نحو تعزيز الحضور المغربي في العمق الإفريقي الأطلسي فالمشروع يقع على الساحل الجنوبي للمملكة، ويُنظر إليه كمنصة لوجستية جديدة لربط الأقاليم الجنوبية بدينامية التجارة الدولية، خصوصا نحو دول غرب إفريقيا.

تُقدَّر كلفة إنجازه بحوالي 12,6 مليار درهم، ويُرتقب أن يكون من أعمق الموانئ المغربية بقدرة على استقبال سفن كبيرة الحجم، ما يمنحه مؤهلات ليصبح منصة لتطوير أنشطة الصيد البحري والصناعات المرتبطة به، إلى جانب الخدمات اللوجستية والتجارية كما يُنتظر أن يشكل نواة لقطب اقتصادي جديد في الجنوب، عبر خلق مناطق صناعية ومراكز تخزين وتثمين للمنتجات البحرية والفلاحية.

داخل الرؤية الاستراتيجية الشاملة، لا يُنظر إلى الداخلة فقط كميناء محلي، بل كبوابة نحو إفريقيا الأطلسية، وجسر تجاري يربط المغرب بامتداداته الاقتصادية جنوبا، في انسجام مع التوجه العام الذي يسعى إلى جعل الواجهة الأطلسية للمملكة فضاء جديدا للنمو والتبادل.

وتكشف هذه المشاريع الثلاثة، إلى جانب طنجة المتوسط، عن تصور متكامل يقوم على توزيع الأدوار بين الموانئ قطب عالمي للعبور في الشمال، محور للتجارة الوطنية في الدار البيضاء، منصة صناعية صاعدة في الشرق، وبوابة أطلسية إفريقية في الجنوب فيما هذا التنوع يعكس بوضوح أن ما يجري ليس مجرد تطوير بنية تحتية متفرقة، بل سياسة دولة طويلة المدى تهدف إلى تحويل المغرب إلى شبكة موانئ مترابطة قادرة على استقطاب التجارة الدولية ودعم الاستثمار، وخلق فرص الشغل وتعزيز تموقع البلاد داخل سلاسل التوريد العالمية.



Source link

Exit mobile version