المغرب نيوز

من كواليس إدارة أوباما وبايدن إلى دهاليز البرلمان الأوروبي.. المغرب يدشن معركة اللوبيات في بروكسيل دفاعا عن الفلاحة والصيد البحري والسيادة الاقتصادية

من كواليس إدارة أوباما وبايدن إلى دهاليز البرلمان الأوروبي.. المغرب يدشن معركة اللوبيات في بروكسيل دفاعا عن الفلاحة والصيد البحري والسيادة الاقتصادية


شرع المغرب رسميا، في التحرك الدبلوماسي والتواصلي، لتعزيز حضوره داخل دوائر القرار الأوروبي ببروكسيل حيث تُصاغ التوازنات الدقيقة بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات السياسية، مستبقًا جولة مفصلية من النقاشات مع الاتحاد الأوروبي حول اتفاقيتين استراتيجيتين بالغتي الحساسية الاتفاق الفلاحي واتفاق الصيد البحري.

وتأتي هذه الخطوة، بعد تجربة تصويت عسيرة داخل البرلمان الأوروبي يوم 26 نونبر، خرجت فيها الرباط منتصرة بصعوبة، فيما بدا واضحا أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالا من الدفاع الظرفي إلى بناء منظومة تأثير أكثر رسوخا واستدامة داخل المؤسسات الأوروبية.

في هذا السياق، كشف موقع “أفريقيا أنتلجنس” أن الرباط شرعت في تعزيز أدواتها التواصلية والضغطية في العاصمة الأوروبية، عبر الاستعانة بخبراء في الاتصال السياسي سبق لهم العمل داخل أعلى دوائر السلطة في الولايات المتحدة، وتحديدا في إدارات باراك أوباما وجو بايدن، وهي خطوة تعكس بحسب معطيات متطابقة، وعيا مغربيا متزايدا بأن معارك المصالح لم تعد تُحسم فقط عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية بل عبر شبكات التأثير واللوبيينغ المنظم داخل مراكز القرار.

ومنذ سنوات، يسعى المغرب إلى التوفر على لوبي محترف قادر على الدفاع عن مصالحه داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، خاصة في القطاعات الأكثر تعرضا للتجاذب السياسي، وعلى رأسها القطاع الفلاحي وقطاع الصيد البحري، ووفق السجل الأوروبي لأنشطة الضغط، وقّعت الكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب (CGEM)، بتاريخ 22 يناير عقدا رسميا مع مكتب الاستشارات السويسري Boldt BPI، في خطوة تُعد تحولا نوعيا في مقاربة الرباط لمسألة التأثير داخل الفضاء الأوروبي.

ويُناط تدبير الملف المغربي داخل هذا المكتب بـ”جون دوهِيغ”، وهو اسم وازن في مجال الاتصال السياسي سبق له أن اشتغل مع إدارات ديمقراطية أمريكية من بينها إدارتا أوباما وبايدن وبالتالي فإن اختياره لا يبدو اعتباطيا، بل يندرج ضمن توجه واضح نحو توظيف خبرات متمرسة في فهم آليات اشتغال المؤسسات الغربية وطبيعة التفاعلات بين السياسة والاقتصاد والرأي العام داخلها.

ولم تكن هذه الخطوة سابقة معزولة إذ سبق للمغرب، في ماي 2020، أن أوكل الدفاع عن مصالحه في واشنطن إلى مكتب Park Group، المعروف بقربه من الحزب الديمقراطي الأمريكي، وقد تأسس هذا المكتب على يد مستشارين سابقين لنواب ديمقراطيين، من بينهم مايكل فيلدمان، الذي سبق أن اشتغل مستشارا لآل غور (كان نائبا للرئيس الأمريكي بيل كلينتون) خلال الحملة الرئاسية لسنة 2000، ما يعكس توجها مغربيا ثابتا نحو العمل مع شبكات ضغط ذات امتداد سياسي عميق داخل دوائر صنع القرار الغربي.

ويهدف التعاون الجديد مع Boldt BPI وفق ما هو معلن، إلى “الترويج وتطوير تعاون اقتصادي أوثق، بما ينسجم مع المصالح المتبادلة بين المغرب وشركائه الأجانب” مع تركيز خاص على المبادلات التجارية، والتعاون المالي والصناعي، والاستثمارات كما يولي هذا التعاون أهمية خاصة لاستراتيجية الاتحاد الأوروبي الخاصة بالشراكة مع الجوار الجنوبي، وللاتفاق الأورو-متوسطي للشراكة الذي يشكل الإطار المرجعي للعلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي.

ويعيد المصدر ذاته، إلى الواجهة أيضا محطات سابقة في مسار اللوبيينغ المغربي، حيث سبق للرباط أن استعان بخدمات مكتبي SEC Newgate EU الإيطالي وRud Pedersen الاسكندنافي، غير أن هذا الأخير وجد نفسه، في مارس 2025، في قلب حملة مضايقة قادها نواب أوروبيون مقربون من جبهة “البوليساريو”، وذلك في سياق مشحون أعقب زيارة نيكولاوس نيوب، رئيس المنظمة الدنماركية غير الحكومية Global Aktion، إلى مخيمات تندوف يوم 16 فبراير.

وتشير المعطيات إلى أن هذه المنظمة كانت قد وجهت اتهامات للمغرب، وُصفت بـ”غير الصحيحة”، زعمت فيها تورطه في إحراق مقرها بكوبنهاغن، ما فتح فصلا جديدا من فصول الصراع غير المعلن داخل أروقة البرلمان الأوروبي، حيث تتقاطع أنشطة اللوبيينغ مع الحملات الحقوقية والسياسية ذات الخلفيات المتباينة.

ومن خلال التعاقد مع Boldt BPI، يأمل المغرب في “كسب داعمين جدد داخل البرلمان الأوروبي”، في لحظة دقيقة يدرس فيها مع المفوضية الأوروبية بروتوكولين استراتيجيين الأول يتعلق بالمبادلات الفلاحية، والثاني بالصيد البحري وهما ملفان يختزلان في طياتهما تداخل الاقتصاد بالسيادة وبالقراءة السياسية للنزاع حول الصحراء.

وقد طُرح موضوع الشراكة بين الطرفين خلال اجتماع ممثلي الدول السبع والعشرين الدائمين لدى الاتحاد الأوروبي (Coreper) المنعقد يوم 22 يناير في بروكسيل، وهو اجتماع جاء امتدادا للقاء لجنة الشراكة المغرب – الاتحاد الأوروبي الذي احتضنته الرباط يوم 15 يناير.

اللقاء ركّز، وفق بلاغ رسمي لوزارة الشؤون الخارجية المغربية، على “الشراكة وحوار سياسي هادئ بشأن القضايا الثنائية والإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك”، في إشارة إلى رغبة الطرفين في الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة رغم حساسية الملفات المطروحة.

ومن المرتقب أن تتواصل هذه الدينامية بعقد اجتماع جديد للجنة الشراكة يوم 29 يناير في بروكسيل، في وقت لا تزال فيه تداعيات قرار البرلمان الأوروبي، الذي رفض، بفارق ضئيل، الاتفاق الفلاحي المؤقت الموقع في 3 أكتوبر بين المغرب والاتحاد الأوروبي، تلقي بظلالها على مجمل مسار الشراكة وهو اتفاق كان يشمل المنتجات القادمة من الصحراء، ما جعله في قلب التجاذب القانوني والسياسي داخل المؤسسات الأوروبية.

ويعكس تحرك الرباط في بروكسيل إدراكا متقدما لطبيعة اللحظة الأوروبية، حيث لم يعد كافيا امتلاك الحجج القانونية أو الاقتصادية، بل بات لزاما الاستثمار في معركة التأثير، داخل فضاء تتشابك فيه المصالح وتُدار فيه الصراعات بهدوء الممرات المغلقة أكثر مما تُحسم في العلن.



Source link

Exit mobile version