من “مهربين” إلى مدنيين عُزّل.. تساؤلات حول بيان الجيش الجزائري وسجل دموي يعيد نفسه على الحدود البرية والبحرية

admin31 يناير 2026آخر تحديث :
من “مهربين” إلى مدنيين عُزّل.. تساؤلات حول بيان الجيش الجزائري وسجل دموي يعيد نفسه على الحدود البرية والبحرية


أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية، في بيان رسمي صدر يوم الخميس الماضي، أن قوات الجيش الجزائري تمكنت مساء الأربعاء، بالقرب من الحدود الجزائرية- المغربية، من “القضاء على ثلاثة مهربين مسلحين من جنسية مغربية”وتوقيف عنصر رابع، وذلك إثر عملية كمين بمنطقة غنامة بولاية بشار التابعة للناحية العسكرية الثالثة، عقب ما وصف بمحاولة تسلل إلى التراب الجزائري.

غير أن الصياغة التي اعتمدتها وزارة الدفاع الجزائرية سرعان ما أثارت موجة واسعة من الشكوك والتساؤلات، سواء داخل الأوساط الإعلامية أو على منصات التواصل الاجتماعي، بسبب غموض الرواية الرسمية وافتقارها إلى تفاصيل ميدانية دقيقة.

 فبيان الجيش الجزائري لم يشر إلى أن القتلى تبين لاحقا أنهم من جنسية مغربية، بل قدم منذ البداية استنتاجا نهائيا مفاده أنهم “مهربون مسلحون مغاربة”، في صيغة لغوية اعتبرها متابعون أقرب إلى منطق الاتهام السياسي المسبق، وتوحي بعداء وانتقام، أكثر من كونها عرضا محايدا لوقائع ميدانية.

وزاد من حدة الشكوك غياب أي أدلة مادية مرافقة للبلاغ، إذ لم تنشر السلطات الجزائرية صورا للضحايا، ولا للعربات التي قيل إنهم كانوا يستعملونها، رغم أن الجيش الجزائري اعتاد، في حالات سابقة، توثيق عملياته المصنفة “نوعية” بالصور والفيديوهات، كما اكتفى البيان بسرد أسماء قالت حسابات مغربية إنها غريبة وغير مدرجة في السجلات المدنية المغربية، ما فتح باب التشكيك في هوية الأشخاص المقتولين وفي مصداقية الرواية برمتها، خاصة بعد نشر صورة لشخص قيل إنه العنصر الوحيد الذي نجا من العملية دون تقديم توضيحات إضافية بشأن ظروف توقيفه.

وفي حال افتراض صحة ما ورد في بيان وزارة الدفاع الجزائرية بشأن مقتل ثلاثة مغاربة على الحدود، فإن الواقعة تعيد إلى الواجهة سلسلة حوادث مأساوية سابقة تشهد، على طابع دموي ومتكرر في سلوك القوات الجزائرية تجاه مدنيين عابرين للحدود، من بينها قضية الشاب المغربي أسامة همهام، اللاعب السابق لنادي الأمل الرياضي العروي. 

فقد لقي هذا الأخير مصرعه صيف العام الماضي، بعدما أصيب برصاصة أطلقتها عناصر من البحرية الجزائرية خلال محاولة هجرة غير نظامية على متن قارب سريع قرب شاطئ السعيدية، إثر انجراف القارب إلى المياه الجزائرية، في حادثة أثارت استنكارا واسعا، خاصة وأن الضحية كان ضمن مجموعة من الشباب غير المسلحين الذين لم يشكلوا أي تهديد أمني، وهو ما دفع ناديه السابق إلى نعيه والتعبير عن حزنه العميق ومواساته لعائلته ولكل مكونات النادي.

هذه الواقعة لم تكن الأولى من نوعها، بل أعادت إلى الأذهان حادثة أثارت ضجة إعلامية ودبلوماسية سنة 2023، حين قُتل شابان مغربيان يحملان الجنسية الفرنسية وأُصيب ثم اعتُقل ثالث، بعد أن فتحت القوات الجزائرية النار عليهم أثناء دخولهم، عن طريق الخطأ، إلى المياه الجزائرية على متن دراجة مائية انطلقت بدورها من السعيدية.

 ورغم محاولات الضحايا شرح وضعهم والتأكيد على أنهم فقدوا الاتجاه وكانوا ينوون العودة، إلا أن خفر السواحل الجزائري لجأ إلى الرصاص، ما أسفر عن مقتل بلال قيسي وعبد العلي مشوار، واعتقال إسماعيل سنابي ونقله إلى الجزائر.

كما أظهرت حادثة أخرى، كادت أن تنتهي بمأساة، نمط التعامل نفسه، حين حاول ثلاثة شبان جزائريين عبور الحدود البحرية من المغرب في اتجاه الجزائر، فأشهر جندي جزائري سلاحه في وجوههم ظنا أنهم مغاربة يحاولون التسلل، قبل أن يتدخل جندي مغربي ويبلغ نظيره بأن الشبان جزائريون ويرغبون في العودة إلى بلدهم، لتتراجع القوات الجزائرية وتقوم بتسليمهم لخفر السواحل، في واقعة كشفت منطق الاشتباه المفرط وسرعة اللجوء إلى السلاح لدى جيش الجارة الشرقية.

ولم يتوقف الجدل الحقوقي عند استخدام القوة المميتة، بل تجاوزه إلى التعامل مع الموتى، كما في قضية الراحل عبد اللطيف أخريف، لاعب اتحاد طنجة، الذي غرق قرب المضيق قبل أن تنقل التيارات البحرية جثمانه إلى السواحل الجزائرية. 

ورغم المناشدات الإنسانية المؤثرة لوالدته حينها، التي انتشرت على نطاق واسع وأثارت تعاطفا كبيرا، ظلت السلطات الجزائرية تحتجز الجثمان لأسابيع طويلة، ولم تسلمه إلا بعد ضغط إعلامي وإنساني مكثف، في سلوك اعتبره كثيرون خرقا للأعراف الإنسانية والدبلوماسية، ومساسا بكرامة أسرة مفجوعة.

زفي ضوء هذه الوقائع المتكررة، يطرح تساؤل جوهري حول مدى احترام الجزائر لالتزاماتها الدولية، خاصة اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982، التي تمنح الدول سيادة محدودة على مياهها الإقليمية، لكنها لا تبيح إطلاق النار على مدنيين غير مسلحين دون إنذار أو تهديد وشيك.

 كما تؤكد قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان أن الحق في الحياة حق غير قابل للتصرف، ولا يجوز المساس به حتى في حالات الطوارئ، ما يجعل أي استخدام مميت للقوة ضد مدنيين في ظروف مماثلة أقرب إلى الإعدام خارج نطاق القانون، وليس إجراء سياديا مشروعا.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق