من وثيقة 1979 إلى سجال 2026.. الأساس القانوني الذي رسخ “حياد” موريتانيا في قضية الصحراء يٌقيد أي مراجعة لاحقة لوضع الكويرة

adminمنذ ساعتينآخر تحديث :
من وثيقة 1979 إلى سجال 2026.. الأساس القانوني الذي رسخ “حياد” موريتانيا في قضية الصحراء يٌقيد أي مراجعة لاحقة لوضع الكويرة


في خضم مشاورات دولية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية بشأن نزاع الصحراء، بمشاركة مختلف الأطراف المعنية، من بينها موريتانيا، ووفق الإطار الذي رسمه القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن في أكتوبر 2025، عاد اسم “الكويرة” إلى واجهة النقاش العام الموريتاني، في لحظة إقليمية دقيقة تتسم بتزايد الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، ما أعاد تحريك ملفات ظلت لسنوات طويلة خارج التداول السياسي والإعلامي في نواكشوط، وأدخل منطقة الكويرة مجددا ضمن دائرة الأسئلة المرتبطة بمآلات التسوية المرتقبة.

وبينما ظل الموقف الرسمي الموريتاني لعقود قائما على الحياد وعدم المطالبة بأي جزء من الصحراء، برزت في الآونة الأخيرة أصوات سياسية وأكاديمية وإعلامية أعادت طرح سؤال “الكويرة”بصيغ متفاوتة، تراوحت بين المطالبة بإعادة النظر في وضعيتها، والدعوة إلى مساومة المغرب بشأنها، وهو المنحى الذي يمكن وصفه بأنه مجرد ارتدادات ظرفية مرتبطة بتسارع وتيرة المشاورات الدولية واقتراب لحظة الحسم.

يشكل المستند الرسمي الموريتاني الموجه إلى الأمم المتحدة سنة 1979، والمسجل تحت رقم A/34/427، حجر الزاوية في فهم الإطار القانوني لموقف نواكشوط من الصحراء عموما ومن الكويرة خصوصا، فالوثيقة أكدت بشكل صريح تخلي موريتانيا طوعا عن وادي الذهب والكويرة، وأعلنت حيادها التام تجاه النزاع.

أهمية هذا المستند لا تكمن فقط في مضمونه، بل في طبيعته القانونية، إذ صدر عن ممثل موريتانيا الدائم لدى الأمم المتحدة آنذاك، محددا حدود الدولة المعترف بها دوليا منذ استقلالها عام 1960 وفق ما رسمته الإدارة الاستعمارية الفرنسية والإسبانية، حيث طالبت نواكشوط في تلك الوثيقة بتثبيت واحترام تلك الحدود، مؤكدة أن أي منطقة خارجها، بما في ذلك الكويرة، لا تدخل ضمن التراب الوطني الموريتاني.

هذا الإقرار الرسمي لا يترك مجالا كبيرا للتأويل، فالتخلي لم يكن موقفا سياسيا عابرا، بل التزاما موثقا أمام المجتمع الدولي، حيث أنه من الناحية القانونية، يصعب تصور إمكانية التراجع عنه دون إعادة فتح ملف الحدود الموريتانية برمته، وهو خيار محفوف بتداعيات إقليمية لا تبدو نواكشوط في وارد تحملها.

اللافت في الجدل الدائر أن أبرز الأصوات التي تناولت الموضوع لم تصدر عن مؤسسات رسمية، بل عن شخصيات سياسية وعسكرية وإعلامية سابقة، قدّمت قراءات متباينة للوضع.

فمن جهة، طُرحت سرديات تعتبر أن التخلي عن الجزء الذي كان خاضعا للإدارة الموريتانية سنة 1979 تم في ظل نظام استثنائي يفتقر إلى الشرعية الديمقراطية، وبالتالي فإن القرار لم يكن نتاج إرادة شعبية، وهو الطرح الذي يدعي أصحابه أنه يستند إلى قراءة تاريخية ترى في الصحراء امتدادا اجتماعيا وجغرافيا لموريتانيا قبل التقسيم الاستعماري.

في المقابل، برز خطاب أكثر براغماتية يرى أن الكويرة ليست موريتانية منذ 1979، وأن أي تحرك مغربي نحو إعمارها أو استعادتها الكاملة لن يضر بالمصالح الموريتانية، بل قد ينعكس إيجابا على منطقة نواذيبو اقتصاديا. هذا الاتجاه يركز على منطق المصلحة لا على استدعاء التاريخ.

وفي هذا السياق، يطرح الجنرال الموريتاني المتقاعد لبات ولد المعيوف موقفا قائما على قراءة تاريخية وسياسية معقدة، نٌشر في مواقع موريتانية، إذ يرى أن المطالبات الراهنة “تبدو بعيدة كل البعد عن الخيارات التي اتخذتها موريتانيا طوعا منذ أكثر من أربعة عقود” وأن رفع شعار “موريتانية الكويرة” اليوم يفتقد إلى “انسجام سياسي” لأن هذه المطالبات لم تنطلق لا عندما اتخذ القرار الحاسم عام 1979.

وأضاف الجنرال الموريتاني المتقاعد أن موريتانيا اليوم لا تملك مصلحة استراتيجية ولا ضرورة وطنية للدخول في أزمة مع جارها المغرب، فالنقاش الدائر يتعلق بإقليم أعلنت موريتانيا منذ أكثر من أربعين سنة تخليها الصريح عن اعتباره جزءا من سيادتها، والدعوة إلى المواجهة دون مراجعة هذا التخلي الجوهري لا تعبّر إلا عن ارتباك سياسي عميق، أو عن دوافع لا تمت بصلة إلى المصلحة الوطنية.

وسبق لوزير الإعلام الموريتاني السابق محمد ولد أمين أن أبدى موقفا تجاه الجدل حول لكويرة، عندما دوّن قائلا إن “الكويرة ليست موريتانية منذ تخلت عنها موريتانيا طوعا عام 1979، وإذا أراد المغاربة أخذها فذلك أمر لا يعنينا، مهمتنا ليست حراسة أراضي الغير، كما هو الحال منذ نيف وأربعين سنة، وإذا أعاد المغاربة الحياة لها فذلك مفيد لنا من الناحية الاقتصادية، وهو يعني وجود موناكو مغربية قرب نواذيبو، وتداعيات ذلك الاقتصادية والسياحية الفاخرة لا يمكن تجاهلها”.

وأضاف “كل ما علينا هو بناء جدار رملي حدودي والتترس خلفه، ليست عندي خشية من المغرب، ولا توجس، ولا أي مصدر قلق”، وتابع قائلا “أنا لا أحب التبلد والغباء خصوصا في السياسة الدولية، فوضع المغاربة اليد على مدينة الكويرة ليس فيه إلا الخير للجميع، فالمستفيد الأول هم أهل الكويرة أنفسهم الذين يرون ممتلكاتهم تضمحل، والغرقى في الحزن منذ نصف قرن، وستكون فرصة لاستعادة عقاراتهم وأملاكهم المجمدة والمضارب عليها”.

لم يأت الحضور المغربي في الكويرة في صيغة إعلان مفاجئ أو خطوة معزولة، بل تبلور عبر مسار تدريجي يعكس منطق التراكم في تثبيت السيادة وتعزيز الاندماج الترابي، فالمقاربة المعتمدة لم تكن صدامية أو استعراضية، بل قامت على الجمع بين البعد الرمزي والمؤسساتي والميداني.

ففي 28 أبريل 2021، بثت القناة الأولى العمومية صورة لمشروع ميناء مغربي مرتقب في الكويرة، في خطوة اعتُبرت آنذاك رسالة بصرية قوية مفادها أن المدينة مدرجة ضمن التصور الوطني للبنيات التحتية الكبرى، وهو الأمر الذي تجاوز بعده التقني إلى تصور شامل وصريح يدرح هذا الجزء من التراب المغربي في الخريطة التنموية ومايحملن ذلك مم دلالات سياسية.

أما على المستوى الميداني، فقد برزت مؤشرات عملية تعزز هذا المنحى، حيث أنه في 26 فبراير 2024، تدخلت وحدة تابعة للبحرية الملكية لإنقاذ قارب كان في وضعية صعبة على بعد 37 كيلومترا جنوب غرب الكويرة، إذ تم انتشال 56 مهاجرا غير نظامي من إفريقيا جنوب الصحراء. 

وتعزز هذا المسار لاحقا ببعد مؤسساتي ذي امتداد إفريقي، عندما تم في 9 يونيو 2025 توقيع مذكرة تفاهم في دكار بين جماعة الكويرة ونظيرتها بيغنونا السنغالية، تروم تطوير التعاون في المجالات التقنية والمؤسساتية، في خطوة تروم تحويل الكويرة إلى نقطة تواصل مع العمق الإفريقي، بما ينسجم والاستراتيجية المغربية القائمة على تعزيز الشراكات جنوب-جنوب.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق