كانت موريتانيا حتى منتصف العقد الماضي، تفتقر إلى تموضع سياسي واضح في منظومة العلاقات الدولية، فهي من جهة دولة عربية ذات امتداد أفريقي بحكم حدودها مع دول الساحل وغرب أفريقيا، ومن جهة أخرى تسعى، عبر انخراطها في اتحاد المغرب العربي، إلى ترسيخ انتماء متوسطي يقرّبها من جنوب أوروبا، ولا سيما بالنظر إلى قربها الجغرافي من جزر الكناري الإسبانية.
وتفاقم هذا الإشكال الهوياتي نتيجة انفتاحها الأفريقي على بيئة إقليمية تعاني من عدم الاستقرار، ما انعكس سلباً على فرص نموها الاقتصادي. وفي المقابل، ظلت علاقاتها مع الشمال رهينة التوترات الإقليمية، وعلى رأسها الصراع المغربي–الجزائري حول زعامة المغرب العربي وملف الصحراء، الأمر الذي حدّ من قدرتها على بلورة سياسة خارجية متوازنة ومستقرة.
ومن أبرز محاولات تأكيد دورها الإقليمي في أفريقيا تأسيس تجمع دول الساحل سنة 2015 إلى جانب مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو، حيث أُقصي المغرب والجزائر من الحضور ولو بصفة مراقبين، فيما دُعيت إسبانيا وفرنسا بصفة مراقبين. وكانت نواكشوط تسعى آنذاك إلى بناء تكتل ساحلي أفريقي يتولى التفاوض مع غرب أفريقيا والغرب ودول شمال أفريقيا.
وفي هذا السياق، يقول الصحفي والباحث في الشؤون الأفريقية محفوظ ولد السالك لـ”الصحيفة” إن رهان موريتانيا على منطقة الساحل الإفريقي لا يرتبط بالأحداث التي تحصل في بعض الأحيان، سواء كانت سياسية أو أمنية أو غيرها، مؤكداً أنه قد يتأثر إيجاباً أو سلباً ببعض التطورات أحياناً، لكنه لم يسبق أن انهار.
ويضيف أن موجة الانقلابات العسكرية التي حصلت منذ 2020 في عدد من دول الساحل لم تؤثر على رهان موريتانيا على المنطقة، لأن الرهان غير مرتبط بالحكام، لكنها أحدثت تحولاً في بعض التوجهات، فكون موريتانيا لم تنخرط في موجة مناهضة فرنسا بالمنطقة رسمياً وشعبياً أحدث تبايناً في الرؤى التي كانت مشتركة بينها وبين باقي دول مجموعة الساحل الخمس التي تأسست سنة 2014 في نواكشوط.
ويتابع أن موريتانيا تتبنى خيار تعدد الشركاء، وتنشد علاقات متوازنة تضمن الربح للجميع، محاولة الاستفادة من استقرارها الأمني في محيط إقليمي مضطرب، وأيضاً من الموارد الهامة التي تزخر بها، والتي يشكل بعضها محور تنافس دولي كبير اليوم.
ويرى أن البلاد لم تستفد بعد كما ينبغي من شراكاتها الخارجية، ولم تحقق التوازن المنشود على صعيد مستوى الربح والاستفادة، لكن الأمر قابل للتدارك وقد يتحقق بالتدرج.
ويشير الصحفي والباحث في الشؤون الأفريقية محفوظ ولد السالك إلى أن لدى نواكشوط شراكات هامة مع مختلف المتنافسين على القارة، رغم تضارب أجنداتهم، فلديها شراكات مع روسيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية والصين وغيرهم، وهو أمر يصعب على بلد أفريقي الجمع بينهم، في ظل ما درجت عليه معظم دول القارة من شراكات أحادية، إضافة إلى عامل ارتهان السياسة للخارج الذي غالباً ما يحول دون التنويع والتعدد.
الاضطراب الإقليمي
مع وصول الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الحكم عام 2019، بدأت ملامح العلاقات والتحالفات الدولية لموريتانيا تتغير. فقد أدركت هشاشة الرهان على الفضاء الساحلي في ظل غياب الاستقرار، خاصة بعد الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
وتزامن ذلك مع تبلور تنافس دولي متصاعد بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى. وفي هذا السياق، اختارت القيادة الموريتانية تعزيز الرهان على الغرب، عبر توسيع التعاون مع حلف شمال الأطلسي وتطوير العلاقات مع الاتحاد الأوروبي.
وفي هذا الإطار، يقول الاستشاري الدولي في الصفقات العمومية والباحث في شؤون شمال أفريقيا والساحل الأفريقي، أبي طالب عبد القادر لـ”الصحيفة” إن الانقلابات في مالي وبوركينا فاسو والنيجر فرضت على موريتانيا أن تكون أكثر فعالية وتحركاً إزاء ما يجري في المنطقة، خاصة مع تراجع النفوذ الفرنسي وانسحاب الدول الثلاث من تحالف دول الساحل، وهو ما أثر على نواكشوط.
ويضيف أن المنطقة تشهد أيضاً تنافساً بين المغرب والجزائر، كلٌّ وفق مقاربته للساحل، إلى جانب دخول روسيا بقوة إلى المشهد، رغم أنها – بحسب رأيه – ليست حليفاً يمكن الاعتماد عليه على المدى البعيد، حتى وإن كان حضورها يلبّي احتياجات أمنية آنية. وأشار إلى أن المغرب كان أكثر وضوحاً وفعالية في استراتيجيته تجاه الساحل، في حين برز تحرك سنغالي–موريتاني في إطار هيئات مشتركة، من بينها تفعيل استغلال نهر السنغال والاستفادة منه عبر موانئ جديدة مثل انجاكو.
كما لفت الباحث في شؤون شمال أفريقيا والساحل الأفريقي إلى مشاريع تقودها السنغال لإحياء خطوط السكك الحديدية وربط دول الساحل، وهي مشاريع تعود جذورها إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية، وبدأت تمويلات لإعادة تأهيلها.
وأوضح أن الجزائر تحاول بدورها دخول هذا المسار، معتبراً أن المنطقة تعيش مرحلة حساسة تتطلب من موريتانيا، بحكم موقعها الاستراتيجي كحلقة وصل بين الساحل وشمال أفريقيا، بلورة رؤية أوضح تجاه فضائها الإقليمي.
وفي ما يتعلق بالتنافس الدولي، أشار إلى أن الولايات المتحدة ترى في الصين التهديد الأكبر لأمنها القومي، خاصة في ما يتعلق بالوصول إلى الموارد الطبيعية، ولا سيما المعادن النادرة المستخدمة في صناعات استراتيجية كالإلكترونيات والطائرات المتطورة. واعتبر أن السياسة الأميركية تتجه إلى مواجهة النفوذ الصيني، سواء عبر أدوات اقتصادية مثل الرسوم الجمركية أو عبر وسائل أكثر صرامة عند الضرورة.
تنافس دولي
خلال عهد الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع (1984-2005)، وبعد هجمات 11 سبتمبر 2001، حصلت موريتانيا على دعم أميركي وصُنّفت كدولة “صديقة” ضمن السياسة الأميركية المرتبطة بـ”الحرب على الإرهاب”، ما أدى إلى ابتعاد نسبي عن الفلك الفرنسي لصالح واشنطن وتعزيز الحضور الأميركي في المنطقة المغاربية.
وتعزز الرهان الغربي على موريتانيا في مكافحة الإرهاب مع تراجع الدور السياسي والعسكري الفرنسي في الساحل، قبل أن تمتد عدوى الانقلابات إلى دول الجوار ابتداءً من مالي سنة 2020، ثم بوركينا فاسو والنيجر وتشاد، وسط تعبئة عدائية ضد التدخل الغربي. وقد وضع وصول هذه الحكومات العسكرية موريتانيا أمام تحديات ومخاطر إضافية، من بينها تدفق اللاجئين الفارين من الحروب والانقلابات.
ويرى الغرب أن موريتانيا تمثل سداً أمام وصول الحركات المتطرفة إلى الساحل الأطلسي، بما يحمله ذلك من مخاطر على الملاحة البحرية.
وفي هذا السياق، تطور التعاون مع الحلف الأطلسي، إضافة إلى برامج ثنائية مثل برنامج التعاون العسكري مع الولايات المتحدة المعروف بـ Pan-Sahel Initiative. وشكل حضور موريتانيا في قمّة الحلف الأطلسي بمدريد في يونيو 2022 منعطفاً مهماً، إذ كانت من بين الدول القليلة غير الأعضاء التي شاركت في القمة.
كما ينظر الغرب إلى احتياطات الغاز الموريتانية كأحد البدائل الممكنة لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، ما يمنح البلاد أهمية إضافية في الأجندة الغربية، تتجاوز البعد الأمني إلى الإسهام في الأمن الطاقوي، خاصة بالنسبة لأوروبا.
وبهذا أصبحت موريتانيا، في ظل هذه التحولات، عنصراً محورياً في الحسابات الغربية، سواء عسكرياً أو في مجال الطاقة، وتسعى نواكشوط إلى استثمار هذه المكانة لتعزيز دورها كحلقة وصل بين شمال أفريقيا وغربها ومنطقة الساحل.
وتؤكد التطورات المرتبطة بعدم الاستقرار والصراعات في المنطقة أهمية وجود موريتانيا كشريك مستقر ضمن رؤية الحلف الأطلسي للسنوات المقبلة. كما لا يمكن إنكار ما تحقق خلال عهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على صعيد الاستقرار السياسي، ولو بمستويات نسبية، إضافة إلى بناء علاقات متوازنة مع جارتيها المغرب والجزائر.
ويبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت موريتانيا قادرة على توسيع هذا الدور الاستراتيجي نحو مقاربة أشمل وأكثر فاعلية في صياغة مستقبل مغاربي أكثر استقراراً، بعيداً عن صراعات أنهكت المنطقة.
